تختزن الذاكرة السياسية المغربية محطات حاسمة تشهد على تعقيدات اللعبة الانتخابية وصراعات الإرادات بين رموز السلطة والقوى السياسية الوطنية، وهو ما يعيدنا إلى شهادة نقلها الصحفي والإعلامي القدير، مدير نشر جريدة “مشاهد” إدريس مبارك، حول إحدى اللقاءات التي جمعته بوزير الداخلية الأسبق إدريس البصري أثناء تواجده في باريس.
وفي هذا الإطار، كشفت تلك الشهادة أن النظام المغربي حينها اقترح على الزعيم الاتحادي عبد الرحيم بوعبيد الترشح في دائرتي سلا أو سطات، إلا أن هذا الأخير رفض العرض وأصر على خوض غمار الانتخابات من مدينة أكادير.
هذا الإصرار قوبل برد فعل غاضب من أجهزة الدولة، حيث أصدر البصري أوامره المباشرة إلى عامل أكادير آنذاك، القيسي، لتجهيز الدكتور “عزمي”، مندوب الصحة السابق في أكادير، لمنافسة بوعبيد، لتحسم المعركة بتوظيف المال والعلاقات ونفوذ الأعيان لإسقاط القامة السياسية للزعيم الاتحادي.
فإعادة استحضار هذه الواقعة التاريخية اليوم تتجاوز حدود التوثيق السياسي لتتقاطع مع ممارسات المشهد الانتخابي الحاضر، حيث تسقط القراءة التحليلية المنظومة نفسها على ما يجري اليوم مع الفاعل السياسي حمدي ولد الرشيد، الذي يبدو أنه يعيد إنتاج الوسائل ذاتها التي أرجعت الممارسة السياسية خطوات إلى الوراء.
وهنا لا بد من استحضار أن للتاريخ مكره، بالنظر إلى أن إسقاط قامة بنظام وزن وحجم عبد الرحيم بوعبيد كان يتطلب هندسة معقدة وجهدا أكبر بكثير مما يتطلبه اليوم إنجاح أو تمكين حمدي ولد الرشيد.
فهذه المقارنة التاريخية والسياسية تضعنا اليوم أمام أسئلة جوهرية تتطلب تشريحا دقيقا لمعادلات النفوذ؛ فهل أصبح حمدي ولد الرشيد بالفعل أقوى تأثيرا وحضورا مما كان عليه عبد الرحيم بوعبيد في زمانه؟ وهل أضحت الدولة، التي استطاعت بآلياتها ونفوذها وتخطيطها إسقاط أحد أبرز رموز المعارضة والعمل الوطني التاريخي، غير قادرة اليوم على كبح أو إسقاط ولد الرشيد؟
تجدر الإشارة إلى، أن الإجابة عن هذه الأسئلة تفتح الباب لمراجعة عميقة بخصوص تطور طبيعة التوازنات بين السلطة والأعيان، وكيف تحولت أدوات الضبط الانتخابي عبر العقود بين ماض شهد صراع الإرادات الكبرى وحاضر تحكمه حسابات النفوذ المحلي والتوازنات الإقليمية.





إرسال تعليق