الخميسات دواوير منسية… رحلة العذاب اليومي إلى تيفلت وعلال البحراوي

  • الكاتب : فؤاد بوؤدينة
  • بتاريخ : 27 أغسطس 2026 - 20:31
  • في عمق إقليم الخميسات، وتحديدا بين جماعتي بوخلخال والكاموني بدائرة تيفلت، تقبع دواوير تعيش على هامش التنمية، دوار سمانطو بجماعة بوخلخال، ودوار المزارة بجماعة الكاموني، نموذجان صارخان للعزلة والتهميش، هنا، يتحول أبسط حق في الطريق والمدرسة والمستوصف إلى رحلة عذاب يومي.

    خصاص يخنق الحياة

    يضم دوار سمانطو التابع لجماعة عين الجوهرة بوخلخال، ودوار المزارة التابع لجماعة الكاموني، ما يناهز 50 عائلة هاجرت أغلبها بحثا عن شروط عيش كريمة، عدد السكان المتبقيين في تراجع مستمر بسبب غياب أبسط مقومات الحياة.

    أبرز المرافق العمومية غائبة كليا، لا مستوصف، لا دار شباب، لا سوق أسبوعي، ولا نقل عمومي، المدرسة الابتدائية الوحيدة المتوفرة بسمانطو يؤطرها معلمين قادمين من مدينة سلا، ويقطعان عشرات الكيلومترات يوميا للوصول بين مطبات الوحل وطول المسافة ورداءة الجو، وفي غياب تام للنقل المدرسي، أما أبناء الإعدادي والثانوي فيضطرون للانتقال إلى جماعة الكاموني مسافة تصل الى 20 كيلومتر.

    الطريق الرابطة بين قنطرة سيدي رابح والمزارة على طول 10 كيلومترات غير معبدة ومهترئة، وتتحول في فصل الشتاء إلى مسالك طينية موحلة مقطوعة، تهدد سلامة التلاميذ والمرضى والعمال، أخطر النقط السوداء تتركز عند المنعرجات والوديان التي يصعب عبورها.

    ورغم توفر بعض الدواوير على الكهرباء، فالاعتماد على الطاقة الشمسية لمن له القدرة الشرائية أصبح ضروريا، غياب الماء الصالح للشرب يجبر السكان على التزود بمياه الآبار، بالإضافة الى غياب شبكة الصرف الصحي وتهالك الطرق يجعل الولوج للخدمات الأساسية مغامرة محفوفة بالمخاطر.

    معاناة الساكنة والتبعية لتيفلت وعلال البحراوي تقطع الساكنة يوميا مسافات طويلة لقضاء أبسط الحاجات، الوصول إلى تيفلت أو سيدي علال البحراوي يتطلب ساعات ومبالغ مالية لا يتحملها أغلب الأسر، تكلفة تنقل التلميذ وحده قد تتجاوز ما تخصصه الأسرة للتغذية.

    الوضع أكثر قسوة بالنسبة للنساء الحوامل والحالات المستعجلة، في غياب مستوصف قريب، تضطر الحامل لقطع الطريق نحو تيفلت أو الرباط وهي تعاني، وفي أحيان كثيرة تلد في الطريق، أما المرضى فيؤجلون العلاج بسبب كلفة التنقل وصعوبة الوصول.

    غياب النقل المدرسي يدفع بالعديد من الأسر إلى سحب أبنائها من المدرسة مبكرا، خصوصا الفتيات، ويجد العمال والمستخدون أنفسهم مجبرين على دفع مبالغ باهظة للخواص أو التغيب عن العمل أو الاستقرار قرب العمل.

    كما يضطر السكان للجوء الى مدينة تيفلت او الكاموني لاستخراج وثائق إدارية أو للعلاج، بسبب غياب ملحقة إدارية قريبة. فمثلا، الحصول على شهادة السكنى فيتطلب التنقل إلى سيدي غانم على مسافة 14 كيلومترا والانتظار يومين الى ثلاثة للحصول عليها.

    بين التهميش وغياب الترافع

    يرجع السكان أسباب هذا التأخر إلى تهميش متعمد وغياب الترافع من طرف الجماعات الترابية، فلا دوار سمانطو ولا المزارة تمت برمجتهما بشكل جدي في مشاريع فك العزلة السابقة، بدعوى مشاكل العقار وقلة الاعتمادات المالية.

    دور الجماعتين بوخلخال والكاموني يبقى ضعيفا، فلا مشاريع مهيكلة تم إدراجها في إطار برنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، ولا مبادرات محلية لفك العزلة، العراقيل الإدارية وعدد الساكنة تحول دون إحداث ملحقات إدارية أو مراكز صحية قروية، رغم الحاجة الملحة.

    السلطات المحلية والمنتخبون يبررون الوضع بقلة الموارد، لكن الساكنة ترى أن غياب الإرادة السياسية هو السبب الحقيقي وراء استمرار معاناتهم لسنوات، ولتجاوز هذه المحنة.

    صوت الساكنة

    تختصر الساكنة مطالبها في 3 أولويات ملحة: تعبيد الطريق الرابطة بين قنطرة سيدي رابح والمزارة، وإحداث مستوصف قروي، وتوفير النقل المدرسي.

    أما الحلول الاستعجالية فتتمثل في تخصيص حافلات للنقل المدرسي، وتنظيم قوافل طبية دورية، وتوفير سيارة إسعاف لخدمة الدواوير المعزولة.

    وعلى المدى المتوسط، تطالب الساكنة بمشاريع مهيكلة: ربط الدواوير بالطريق المعبدة، إحداث إعدادية قرب المنطقة، ومركز صحي متعدد الخدمات يجمعان الدواوير المتناثرة بالإضافة الى تسهيل الاجراءات في المراكز الداخلية للمتمدرسين.

    كما تطالب جماعتي تيفلت وعلال البحراوي بالمساهمة في تخفيف الضغط عبر تخصيص اعتمادات مشتركة، ويرى الفاعلون المدنيون أن دور المجتمع المدني يجب أن يتجاوز الاحتجاج إلى الترافع المؤسساتي وتوثيق المعاناة والضغط من أجل إدراج هذه المناطق ضمن أولويات الدولة.