صدر القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة في الجريدة الرسمية، يوم 20 غشت 2026، عقب صدور الظهير الشريف بتنفيذه، ويأتي ذلك بعد 10 أيام من قرار المحكمة الدستورية، الذي قضى بتعذر البت في الإحالة المتعلقة بمدى مطابقة القانون للدستور على حالتها، بسبب خلل إجرائي في وثائق الإحالة، دون أن يتضمن القرار حكما صريحا بالمطابقة أو بعدم الدستورية.
ويدخل هذا القانون حيز التنفيذ عموما في تاريخ نشره بالجريدة الرسمية، غير أن المشرع استثنى بنودا محددة تأجل سريانها، حيث لا تدخل مقتضيات المواد المعلقة بالإعفاء من شهادة الكفاءة والتمرين، شروط الترافع أمام محكمة النقض، بالإضافة الى البند 11 من المادة 121 حيز التنفيذ إلا بعد نشر النصوص التنظيمية اللازمة لتطبيقها.
غير أن صدور القانون لم يضع حدا للجدل الذي رافق مساره التشريعي، بل نقل الأزمة من مرحلة مناقشة المشروع إلى مرحلة تدبير آثاره العملية والمهنية، فجمعية هيئات المحامين بالمغرب تعتبر أن عددا من مقتضيات النص يمس باستقلالية المهنة وبالمبادئ الأساسية المرتبطة بدور الدفاع، في حين تقدم وزارة العدل القانون باعتباره إطارا جديدا لتحديث المهنة وتعزيز نجاعتها داخل منظومة العدالة.
وفي هذا السياق، برز خلاف واضح داخل الجسم المهني حول الموقف الواجب اتخاذه بعد نشر القانون، فهناك اتجاه يدعو إلى العودة إلى العمل واستئناف تقديم الخدمات المهنية، انطلاقا من أن القانون أصبح نافذا، وأن استمرار التوقف قد يؤدي إلى مزيد من تعطيل مصالح المتقاضين وتعميق حالة الارتباك داخل المحاكم، خصوصا بالنسبة إلى القضايا ذات الطابع الاستعجالي والملفات المرتبطة بالحرية والآجال القانونية.
ويرى أنصار العودة أن المعركة المهنية لا ينبغي أن تتحول إلى مواجهة مفتوحة مع المؤسسات، وأن الحوار يظل الوسيلة الأكثر فعالية لتفسير المقتضيات الجديدة أو اقتراح تعديلها لاحقا، كما يعتبرون أن استعادة انتظام المرفق القضائي مسؤولية جماعية، وأن الدفاع عن استقلال المحاماة يقتضي، في الوقت نفسه، حماية حق المواطنين في الولوج إلى العدالة وعدم تحميلهم كلفة الخلاف المؤسساتي والمهني.
في المقابل، يتمسك اتجاه آخر بمواصلة التوقف الشامل عن العمل، معتبرا أن النشر الرسمي للقانون لا ينهي أسباب الاحتجاج، بل يؤكد ضرورة التصعيد من أجل إعادة فتح النقاش حول مقتضياته، حيث أعلنت الجمعية استمرار التوقف عن تقديم جميع الخدمات المهنية وتعليق العمل بنظام المساعدة القضائية تعيينا وأداء، معتبرة أن هذه الخطوات تندرج ضمن الأشكال النضالية للدفاع عن استقلال المهنة ومبادئها الكونية.
ويستند هذا الاتجاه إلى أن قرار المحكمة الدستورية لم يحسم جوهر المطابقة الدستورية، وإنما سجل تعذر البت بسبب عيب إجرائي في الإحالة، ولذلك يرى أصحابه أن استمرار الاحتجاج يهدف إلى الضغط من أجل معالجة الإشكالات القانونية والمهنية، وليس إلى تحدي القضاء الدستوري أو تعطيل العدالة لذاته.
لكن استمرار التوقف، لأكثر من مائة يوم وفق معطيات مهنية وإعلامية، يطرح آثارا ثقيلة على المتقاضين والمحاكم وباقي مهنيي العدالة، فتعليق المساعدة القضائية يمس بصورة مباشرة الفئات الهشة، بينما يؤدي غياب الدفاع إلى تأجيل ملفات وتراكم القضايا وربما ضياع بعض الآجال، الأمر الذي يجعل أي احتجاج مطالبا بمراعاة مبدأ التناسب بين الوسيلة والغاية.
وبين خيار العودة وخيار الاستمرار في التوقف، تبدو الحاجة ملحة إلى قرار مهني ديمقراطي يراعي تعدد الآراء داخل الهيئات، وإلى حوار مؤسساتي جاد حول تنزيل القانون ومراجعة ما يثبت عمليا تعارضه مع استقلال الدفاع أو ضمانات المحاكمة العادلة، فالمعركة الحقيقية لا ينبغي أن تكون حول انتصار طرف على آخر، بل حول بناء قانون يوازن بين تحديث المهنة، وصون استقلالها، وحماية حقوق المتقاضين، وضمان استمرار العدالة دون تعطيل.





إرسال تعليق