تتصاعد في الآونة الأخيرة وثيرة التوتر داخل أفراد الجماعة السلالية أولاد الطالب (فرقة الحبابرة سيدي الطيبي) بإقليم القنيطرة، حيث تعيش المنطقة على صفيح ساخن بسبب نزاع محتدم حول تدبير الأراضي الجماعية.
وتعود جذور النازلة إلى محاولات متكررة من لدن نواب الجماعة لفرض واقع جديد عبر عمليات تقسيم وتجزيء بعد ضم القطع الفلاحية المتناثرة لأصحابها تصفها الساكنة بالعشوائية وغير القانونية، ضاربة عرض الحائط بتقسيم رسمي يعود لسنة 1994، وهو التقسيم الذي كان قد حسم في الحصص والمستغلين الفعليين منذ عقود، إن هذه الأراضي، المسمى جزء منها عزيب الشرفاء والرباب 1 المتواجدة بالجماعة القروية سيدي عياش اولاد سلامة، تمثل الوعاء العقاري الوحيد المتبقي لذوي الحقوق، وتخضع تاريخيا لوصاية إدارية دقيقة، إلا أن المستجدات الميدانية تنذر بصدام وشيك.
وتشير حيثيات القضية إلى أن نواب الجماعة المشتكى بهم إلى عامل اقليم القنيطرة، أقدموا على استقدام مهندسين مساحين لمباشرة عمليات تحديد وتقسيم جديدة دون موجب قانوني واضح أو استشارة موسعة مع ذوي الحقوق، مما اعتبره المتضررون تراميا على أنصبتهم الجماعية.
ويزداد الوضع تعقيدا بالنظر إلى الذاكرة الإدارية للمنطقة، حيث أن محاولات التقسيم الحالية ليست الأولى من نوعها، بل سبق وأن تم توقيف عمليات مماثلة في التسعينيات من لدن لجان تفتيش تابعة لوزارة الداخلية وتحت إشراف مجلس الوصاية، نظرا لعدم استيفائها للشروط القانونية وافتقارها للعدالة في التوزيع ، هذا الإصرار على العودة إلى منطق التجزيء يثير تساؤلات مشروعة حول الدوافع الحقيقية وراء هذه الخطوات في هذا التوقيت بالذات.
وفي ظل هذا الاحتقان، وجه أعضاء الجماعة السلالية مراسلة رسمية إلى السيد عامل إقليم القنيطرة والتي تتوفر جريدة الصحراء ديسك على نسخة منها، يتقدمون من خلالها بتعرض رسمي ضد نواب فرقة الحبابرة، والتي تتمحور حول تشخيص دقيق لما اعتبره ذوو الحقوق شططا في استعمال السلطة من طرف النواب، الذين اتهموا بمحاولة إعادة رسم الخرائط العقارية وفق أهواء خاصة لا تخدم المصلحة العامة للجماعة، وخارج ضمانات العدالة الاجتماعية.
الرسالة وضعت الإدارة الترابية أمام مسؤولياتها القانونية في حماية أملاك الجماعات السلالية من أي تصرف قد يؤدي إلى ضياع حقوق المستغلين الفعليين الذين يعمرون الأرض أبا عن جد بناء على الرسوم العقارية المحفظة في اسم جماعة أولاد الطالب.
كما تضمنت المراسلة تفاصيل حول مضمون التعرض، حيث شدد الموقعون على أن أي عملية تقسيم خارج إطار القانون 62.17 تعد باطلة بطلانا مطلقا، مشيرة إلى أن التحركات الميدانية للنواب الحاليين تفتقر للشرعية لأنها لم تحترم المساطر الإدارية المنصوص عليها في القوانين الجديدة المنظمة للأراضي السلالية، خاصة فيما يتعلق بضرورة الحصول على تراخيص مسبقة من سلطة الوصاية قبل مباشرة أي إجراء تقني يهم الرسمين العقاريين المذكورين، كما نبهت الرسالة إلى أن فرض واقع التقسيم بالقوة وبشكل انفرادي من شأنه أن ينسف السلم الاجتماعي داخل الفرقة السلالية ويفتح الباب أمام نزاعات قضائية طويلة الأمد.
وفي نفس السياق، اعتبرت فاطنة الماموني الناشطة الحقوقية إحدى الموقعات على الشكاية في تصريح للجريدة، أن النازلة تجسد خرقا صريحً لمقتضيات الظهير الشريف المتعلق بتدبير الأملاك الجماعية، مؤكدة أن تعيين النائب الجديد المعين حديثا، شابه عيب جوهري، لكونه ليس من ذوي الحصص المسجلين تاريخيا، وهو ما يجرده من أهلية اتخاذ قرارات مصيرية تهم مستقبل العقار الجماعي.
كما أوضحت أن المشرع المغربي اشترط في النائب السلالي أن يكون من ذوي الحقوق ومشهودا له بالنزاهة وحماية مصالح الجماعة، وليس قيادة عمليات تجزيء تخدم أجندات ضيقة.
وكشفت فاطنة الماموني أن هذه الفوضى التي تسبب فيها النائب تكشف عن أزمة تدبيرية عميقة؛ فبدلا من أن يمارس مهامه في الحفاظ على الأصول العقارية وتقديم الطعون ضد المترامين، أصبح هو المحرك لعمليات تقسيم عشوائية ستتسبب في إرباك المستغلين وتشريد حصصهم.
وتابعت أن هذا التخبط (حسب ذوي الحقوق) تجلت في محاولة استقدام مهندسين دون إشهار إداري رسمي أو موافقة من مجلس الوصاية الإقليمي، مما أدى إلى حالة من التسيب العقاري التي تهدد بتفتيت الوعاء العقاري المخصص للرعي والفلاحة وتحويله إلى بقع أرضية غير منظمة، وهو ما يخالف توجهات الدولة في تثمين العقار السلالي لإدماجه في التنمية المستدامة.
وترى الناشطة فاطنة أن قضية أولاد الطالب تعتبر اختبارا حقيقيا لمدى تفعيل مقتضيات القانون الجديد 62.17 على أرض الواقع، والتي تتطلب استجابة السلطات الإقليمية لمطالب ذوي الحقوق وإيقاف التقسيم العشوائي هو السبيل الوحيد لإعادة الثقة في المؤسسات التمثيلية للجماعات السلالية وضمان عدم تحول هذه الأراضي إلى ساحة لتصفية الحسابات الضيقة. فالمطلوب اليوم هو “الحكامة الإدارية” التي تحمي الضعيف من شطط القوي، وتصون الأمانة العقارية التي تعتبر ملكاً للأجيال القادمة وليست غنيمة للتقسيم الفردي.
أما على مستوى المطالب، فقد أجمعت الجماعة السلالية في عريضتها على ضرورة تدخل السيد العامل بشكل استعجالي لقبول التعرض الماثل بين يديه وإصدار قرار فوري بوقف أي تصرف عشوائي يهم الرسوم العقارية موضع النزاع، كما يطالب المتضررون بإيفاد لجان تفتيش مركزية للتحقيق في شرعية اللجنة التقنية التي استقدمها النواب، وكذا مراجعة قرار تعيين النائب الذي يفتقر لصفة صاحب حصة، كما شددت المطالب في ظل تسلط النواب المشتكى بهم على حقوقهم، على ضرورة العودة إلى الحقوق العينية الثابتة للمستغلين وحماية أنصبتهم من أي تجزيء لا يحترم المسار التاريخي للتقسيم الرسمي المجمد منذ التسعينيات، مع التمسك بتسوية الوضعية العقارية وفق مسطرة التمليك أو الضم التي تضمن استقرار ذوي الحقوق.





إرسال تعليق