ضمن سياق نبش “الصحراء ديسك” المستمر في الذاكرة السياسية والتاريخية لأبرز الشخصيات الصحراوية وتوثيق المحطات التي طبعت تدبير الشأن العام في المغرب، تبرز واقعة مثيرة ترتبط بمحطة من تاريخ المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، والبطل هذه المرة، البروفيسور ووزير الصحة الأسبق، ورئيس مجلس المستشارين السابق، محمد الشيخ بيد الله.
وتأتي هذه الواقعة لتعيد تسليط الضوء على تقاطعات الماضي الأليم مع الحاضر السياسي، وكيف يمكن للمواقف الشخصية المستندة إلى الذاكرة التاريخية أن تؤثر في صناعة القرار وتعيين النخب في المؤسسات الدستورية الكبرى للمملكة.
وتفيد المعطيات المتوفرة بشأن تفاصيل اختيار وتعيين أعضاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في تلك الفترة، أن معالي الوزير محمد الشيخ بيد الله رفض بشكل قاطع إدراج اسم القائد الراحل “العكوري”، الذي كان يشغل آنذاك منصب نائب رئيس جهة أكادير، ضمن قائمة أعضاء المجلس.
ولم يقف الأمر عند حدود الرفض، بل تم تجاوزه إلى دفع بيد الله باتجاه تعيين عضو آخر في غرفة الصيد البحري داخل نفس الجهة، ويتعلق الأمر بالسيد “فوطاط” الذي أصبح إثر ذلك عضوا بالمجلس المذكور بدل “العكوري”، وهو ما أثار في حينه الكثير من علامات الاستفهام حول الخلفيات الحقيقية التي جعلت قياديا بوزن بيد الله يرجح هذا الاختيار ويستبعد شخصية نافذة كالعكوري.
أجوبة تلك التساؤلات كشفتها مصادر “الصحراء ديسك” الخاصة، والتي أكدت أن خلفيات هذا الرفض الصارم لا تتعلق بحسابات سياسية آنية أو صراعات حول النفوذ، بل تعود جذورها إلى ملفات الماضي الحقوقي والسياسي الأسود، إذ يعزى سبب استبعاد “العكوري” إلى كونه كان المشرف الرئيسي على عمليات تعذيب طالت محمد الشيخ بيد الله وعدد من رفاقه السابقين في مطلع سبعينيات القرن الماضي، حين كان قائدا بوزارة الداخلية.
وتضيف المعطيات ذاتها، أن من بين أولئك رفاق بيد الله الذين نالوا نصيبهم من التنكيل على يد “العكوري”، زعيم جبهة البوليساريو الراحل محمد عبد العزيز، وذلك إبان فترة اعتقالهم الشهيرة بمدينة طانطان قبل أن يتم تقديمهم للمحاكمة بمدينة أكادير، وهي المحطة التي شكلت حينها منعطفا حاسما في مسار العديد من الطاقات الشابة الصحراوية.
وعلى الرغم من غياب أي تأكيد أو نفي رسمي حتى الآن من طرف البروفيسور محمد الشيخ بيد الله، الذي يعتبر أحد أهم وأبرز المؤسسين الحقيقيين للنواة الأولى للحركة الصحراوية في الجامعات المغربية قبل انحراف مسارها، فإن هذه الواقعة تظل شاهدا حيا على ثقل الذاكرة في ميزان العمل السياسي المغربي.
ليبقى السؤال معلقا بانتظار رد رسمي يشفي غليل الباحثين في خبايا تلك المرحلة، هل كان موقف بيد الله مجرد رد اعتبار شخصي ونفسي لضحايا مرحلة “الرصاص”، أم أنه كان تعبيرا عن موقف مبدئي يرفض تزكية رموز سلطوية ارتبطت أسماؤها بانتهاكات حقوق الإنسان في مغرب القرن الماضي؟





إرسال تعليق