إيمان بوحزامة تكتب.. هل نحتاج إلى بلاغ ملكي لنراجع خطابنا؟
لم يكن البلاغ الملكي الصادر عقب اختتام كأس إفريقيا للأمم مجرد تقييم لبطولة ناجحة تنظيميا، ولا رسالة شكر بروتوكولية عابرة، بل جاء، في عمقه، كتذكير هادئ بما يفترض أنه بديهي. تذكير بأن كرة القدم تظل حدثا رياضيا، وبأن الانفعال، مهما بلغ، لا يمنح شرعية للانزلاق نحو خطاب الكراهية، ولا يبرر استدعاء العنصرية، صريحة كانت أو مقنّعة، ولا يسمح بتحويل لحظة غضب إلى موقف دائم.
و يبقى السؤال الذي يفرض نفسه، دون مواربة،
هل كان علينا أن ننتظر بلاغا ملكيا حتى نراجع لغتنا؟
هل احتجنا إلى صوت الدولة حتى ندرك أن ما قيل، وشورِك، ورُوج له في بعض الفضاءات الرقمية، لا يشبه المغرب، ولا تاريخه، ولا موقعه داخل عمقه الإفريقي؟
كان يفترض أن يكون التاريخ كافيا.
أن تكون الذاكرة المشتركة مع شعوب القارة، بما حملته من تضامن ونضال ومصير مشترك، حاضرة في وعينا الجمعي. وكان يفترض أيضا أن نُدرك، دون تذكير، أن العلاقات بين الدول والشعوب لا تُدار بمنطق الانفعال، ولا تُختزل في مباراة، مهما كانت أهميتها أو حساسيتها.
ما وقع في الدقائق الأخيرة من المباراة النهائية لا يمكن إنكاره، كما لا يمكن تبريره. لكنه أيضا لا يحتمل التعميم، ولا يصلح ذريعة لإطلاق أحكام جماعية، أو لإعادة إنتاج صور نمطية تُسيء أكثر مما تُنصف. هو حدث رياضي مشحون، انتهى حيث يجب أن ينتهي، داخل المستطيل الأخضر. أما إخراجه إلى مجالات أخرى، وتوسيعه ليطال شعوبا بأكملها، فذلك انزلاق لا يخدم المغرب، ولا يخدم إفريقيا، ولا يخدم حتى فكرة المنافسة نفسها.
البلاغ الملكي لم يأت ليُدين، ولا ليُساير، بل ليُعيد ترتيب البوصلة. ذكر بأن روابط الأخوة الإفريقية أقوى من لحظات الغضب، وأن الانفعال، مهما ارتفع، يظل عابرا، بينما ما يجمع الشعوب ثابت ومتجذر. والأهم، أنه أكد أن النجاح المغربي في تنظيم هذه الدورة ليس نجاحا وطنيا ضيقا، بل نجاحا إفريقيا مشتركا، يعكس قدرة القارة على التنظيم والتنافس والفرح.
ولعل ما يستحق التوقف عنده، ليس فقط مضمون البلاغ، بل لغته أيضا. اختيار دقيق للمفردات، وابتعاد عن التعابير المستهلكة، وإشارات محسوبة توحي أكثر مما تصرح. حتى حين لم تُستعمل بعض الصيغ التي اعتدنا سماعها في السابق، لم يكن ذلك فراغا لغويا، بل رسالة هادئة مفادها أن الدولة لا تُغذي الانفعال، ولا تنجر وراءه، بل تُؤطره وتضعه في سياقه الصحيح.
مرة أخرى، يقدم المغرب درسا، لا في التنظيم فقط، ولا في البنيات التحتية، بل في ضبط النفس الرمزي والسياسي. درسا في الفصل بين المنافسة والعداء، وبين الغضب والكراهية. درسا في أن الوطنية لا تُقاس بحدة الخطاب، ولا بعدد المنشورات الغاضبة، بل بالقدرة على حماية صورة البلد وصيانة علاقاته.
لكن البلاغ، مهما كان واضحا، لا يعفي المجتمع من مسؤوليته.
فالرهان الحقيقي ليس في انتظار التذكير، بل في الاستغناء عنه. في أن نمتلك الوعي الكافي لنعرف، دون خطاب سام، أن الكرة يجب أن تبقى كرة، وأن الخلاف الرياضي لا ينبغي أن يتحول إلى شرخ أخلاقي أو إنساني.
لأن المغرب، كما أكد البلاغ الملكي، سيظل بلدا إفريقيا كبيرا.
والكبر هنا ليس في الصوت، ولا في ردود الفعل، بل في الحكمة، وفي القدرة على أن نربح دون أن نخسر أنفسنا.