الثلاثاء 2 ديسمبر 2025 - 08:47 مقالات الرأي

أبي بشرايا البشير… صوتٌ لا يريد خيراً للصحراويين ولا لقضيتهم الإنسانية

administrator

الرأي / الدكتور: عبدالقادر الحافظ بريهما

شكّلت خرجة أبي بشرايا البشير على قناة BBC عربي نموذجاً صارخاً لخطاب مرتبك ومشحون بالتناقضات، حيث لم يقدّم أي رؤية سياسية واضحة بقدر ما كشف هشاشة الطرح الانفصالي الذي يسوّق لوهم “الدولة الورقية” من على منصات إعلامية بعيدة كل البعد عن واقع المخيمات المأزوم إنسانياً. مداخلته لم تكن دفاعاً عقلانياً عن قضية، بل محاولة بائسة لتبرير موقف مهتز، يفتقر إلى المنطق ويتفادى كل الأسئلة الجوهرية المتعلقة بحقوق الصحراويين ومعاناتهم اليومية داخل مخيمات تندوف.

وكشفت الأسئلة البسيطة والمباشرة للمذيعة مدى ضعف الرجل في مواجهة الحقائق. فعندما سُئل عن وجود جنسيات غير صحراوية داخل مخيمات تندوف، أنكر ذلك بشكل قاطع، ليفاجَأ بسؤال شخصي حول مولده هو نفسه في موريتانيا. وهنا ظهر الارتباك وتلعثم الكلام والمراوغة التي أحرجته أمام المشاهدين، وأثبتت أن الرجل غير قادر حتى على مواجهة حقائق تتعلق بهويته الخاصة، فكيف يمكنه أن يدّعي تمثيل “شعب” بأكمله؟

المداخلة كانت مليئة بالأباطيل والمغالطات، أبرزها ادعاؤه أن الأمم المتحدة أجرت إحصاءين للاجئين. وهو ادعاء يناقض كل وثائق المنظمة وقرارات مجلس الأمن التي تطالب، وبإلحاح مستمر، الجزائر والبوليساريو بالسماح بإجراء إحصاء دقيق وشفاف. فرفض الإحصاء طيلة خمسة عقود ليس عائداً لصعوبات تقنية، بل نتيجة رغبة ممنهجة في إبقاء أعداد سكان المخيمات غامضة، خدمة لحسابات سياسية ومالية مرتبطة بالعسكر الجزائري والجبهة الانفصالية التي تتاجر في المساعدات الإنسانية.

كما تجاهل أبي بشرايا البشير الانتهاكات الإنسانية الخطيرة داخل المخيمات: عسكرة بيئة اللجوء، غياب الهوية القانونية، حرمان المدنيين من الوثائق والحماية التي تفرضها اتفاقية 1951، إضافة إلى مشكلات الفساد والتهريب المرتبطة باستغلال المساعدات الدولية على أساس أرقام مضخمة لا تستند إلى أي إحصاء فعلي.

وازداد تخبطه حين حاول التقليل من العزلة الدولية الخانقة للبوليساريو، في وقت أقر فيه قرار مجلس الأمن الأخير—وبأغلبية واضحة ومن دون اعتراض—بدعم الحل الواقعي القائم على مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. ورغم امتناع الجزائر نفسها عن التصويت، اختار أبي بشرايا التهرب من هذه الحقيقة واللجوء إلى التأويل والتضليل، بدل الاعتراف بانهيار السند الدبلوماسي للجبهة.

وزاد الطين بلة ادعاؤه أن الحكم الذاتي ليس قاعدة التفاوض الوحيدة، وأن الدولة الأوروبية الوحيدة التي تدعم الموقف المغربي هي فرنسا، وهي مغالطة مكشوفة أمام موجة الاعترافات الدولية المتنامية بسيادة المغرب ودعم مبادرته كحل سياسي نهائي للنزاع.

وفي الوقت الذي يكرر فيه أبي بشرايا ادعاء أن البوليساريو هي “الممثل الشرعي والوحيد للصحراويين”، يتجاهل التطورات العميقة التي يشهدها المشهد الصحراوي. فقد ظهرت حركة صحراويون من أجل السلام كقوة سياسية جديدة تمثل فئات واسعة داخل المخيمات وخارجها، وفرضت نفسها بقوة داخل المنتديات الدولية. وأحدث مثال على ذلك مشاركتها الأخيرة في اجتماع الأممية الاشتراكية بمالطا، حيث حضر السكرتير الأول للحركة بمعية وفد رفيع المستوى جنباً إلى جنب مع ممثلي البوليساريو، في سابقة تؤكد أن التمثيلية لم تعد حكراً على فصيل واحد. كما أن الانشقاقات التي طالت الجبهة—وبينها قيادات بارزة—تُظهر بوضوح أن الصحراويين أصبحوا أصحاب أصوات متعددة وخيارات سياسية مختلفة، وأن ادعاء احتكار التمثيل لم يعد سوى شعار تجاوزه الواقع.

إن ما صدر عن أبي بشرايا لا يمكن اعتباره مجرد ارتباك إعلامي، بل تعبير عن انفصال كامل عن هموم الصحراويين وتطلعاتهم لحل إنساني وسياسي يضمن لهم الكرامة والحرية والتنقل والاندماج وفرص العيش الكريم. فبدل الدفاع عن حقوقهم، قدّم خطاباً يسعى إلى تكريس وضعية استثنائية تخدم فقط أجندة العسكر الجزائري، وتُبقي آلاف الأسر رهائن في مخيمات مغلقة بلا أفق ولا مستقبل، بينما يتنقل قادتها بين الفنادق والحواضن الدبلوماسية الأوروبية.

وهكذا، بدا أبي بشرايا البشير صوتاً ضد الصحراويين لا من أجلهم، وناقلاً لخطاب لا يخدم إلا من صنع هذا النزاع ويستفيد من استمراره.

الدكتور: عبدالقادر الحافظ بريهما


مقالات ذات صلة

عرض المزيد