الانتخابات ورهان الوحدة الوطنية…الديمقراطية كمدخل لاستعادة الثقة

  • بتاريخ : 3 سبتمبر 2026 - 17:19
  • د. إبراهيم لبصير/رئيس مرصد الدراسات والأبحاث الصحراوية

    تكتسي الانتخابات، في جوهرها، أهمية تتجاوز مجرد التنافس على المقاعد والتمثيلية، فهي تشكل إحدى الآليات السياسية لمواجهة انسداد الآفاق وشق طريق جديد لاستعادة الحقوق وتعزيز المشاركة في تدبير الشأن العام.

    ويظل الاعتراف المتبادل بالحقوق والواجبات نقطة الانطلاق نحو بناء فضاء ديمقراطي سليم، فالإقرار بوجود الآخر وبحقه في التعبير والمشاركة والاختلاف يمثل المدخل الطبيعي للحوار، ويؤسس لعلاقة سياسية تقوم على الاحترام المتبادل بدل الإقصاء أو الهيمنة.

    والحرية، باعتبار الديمقراطية صيغتها العملية، قادرة على كسر حالات الاستعصاء التي قد تطبع علاقة المجتمع بمؤسساته، لأن الديمقراطية ليست مجرد شعار أو كلمة ترفع في المناسبات، وإنما ممارسة يومية تقوم على قواعد واضحة، وعلى علاقات والتزامات تحكم مختلف أطراف اللعبة السياسية.

    إن الديمقراطية المطلوبة في المرحلة الراهنة تعني، بالأساس، ضمان حرية التعبير والتمثيل والمشاركة في اتخاذ القرار، والاعتراف بالتعدد وإمكانية الاختلاف، إلى جانب تكريس مبدأ تداول السلطة وفق القواعد الدستورية والمؤسساتية.

    كما أن بناء دولة المؤسسات يقتضي صيانة الحق في تأسيس الجمعيات والنقابات والأحزاب السياسية، وضمان حرية الاختيار والتنقل وغيرها من الحقوق التي تستند إلى منظومة حقوق الإنسان. وهذه الحقوق لا يمكن أن تكون ذات معنى فعلي من دون رقابة مجتمعية حقيقية تضطلع بها مؤسسات المجتمع المدني، ومن دون قضاء مستقل ونزيه يحتكم إليه في حالات النزاع والاختلاف، بما يضمن التوازن بين السلط ويصون الحقوق والحريات.

    ويمثل دستور 2011، في هذا السياق، أحد أهم مرتكزات العلاقة بين الدولة والمجتمع، باعتباره إطارًا ناظمًا للحقوق والواجبات ومحددًا لطبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم. وأي تجاوز لمقتضياته أو إفراغ لمبادئه من مضمونها من شأنه أن يؤدي إلى اختلال هذه العلاقة ويفتح المجال أمام تنامي الاحتقان الاجتماعي والسياسي.

    وفي حالات غياب الاعتراف المتبادل وتراجع قنوات الحوار، قد يتحول الاحتقان إلى عنف، كما عكسته بعض أشكال احتجاجات جيل “Z”، لتدخل المجتمعات في مسارات خطيرة عنوانها الخوف والشلل والتآكل والنفاق واللايقين، وتصبح لغة المواجهة والعنف حاضرة بقوة على حساب لغة الحوار والمؤسسات.

    ومن هنا تبرز الحاجة إلى رؤية تاريخية تستحضر مسار تطور المجتمع ورهانات المرحلة، وتضع المستقبل في صلب كل قرار وخطوة سياسية. فقوة الوطن ووحدته لا تُبنى بالقوة وحدها، وإنما تقوم كذلك على رضا المواطنين ومشاركتهم وثقتهم في المؤسسات، وعلى شعورهم بأن لهم مكانًا حقيقيًا في صياغة حاضرهم ومستقبلهم.

    أما تجاهل هذه الحقيقة، فيمكن أن يقود إلى مستقبل أكثر تعقيدًا، لأن الأوطان لا تقاس فقط بمدى امتلاك السلطة لأدوات القوة، وإنما بمدى قدرتها على بناء الشرعية والثقة والاستقرار السياسي والاجتماعي.

    إن محاولة حرق المراحل التاريخية أو تجاوزها، انطلاقًا من الاعتقاد بأن القوة وحدها كفيلة بفرض الانتقال إلى مرحلة جديدة، مع إلغاء الآخر أو تهميشه، تشكل مخاطرة لا تستثني أحدًا، لأن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يقوم على الإقصاء، وإنما على التوافق والمشاركة واحترام المؤسسات.

    كما أن غياب الرقابة والمحاسبة، وضعف الصحافة الحرة والمستقلة، وتراجع أدوار الأحزاب والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني، يحول هذه المؤسسات تدريجيًا إلى مجرد أشكال فارغة من مضمونها، تتحول وظيفتها من الوساطة والتأطير والدفاع عن المصالح العامة إلى تأييد السلطة وترديد شعارات فقدت كثيرًا من محتواها.

    وفي المحصلة، فإن الانتخابات لا ينبغي أن تختزل في يوم الاقتراع أو في التنافس على المقاعد، بل يجب أن تكون محطة لإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات، وتجديد الحياة السياسية، وتوسيع المشاركة، وترسيخ دولة القانون والمؤسسات.

    فالوحدة الوطنية لا تُصان بالشعارات وحدها، وإنما ببناء وطن يشعر فيه الجميع بأن حقوقهم مصانة، وأصواتهم مسموعة، ومشاركتهم في الحياة العامة فعل حقيقي لا مجرد واجهة شكلية. ومن هنا يصبح الرهان على الديمقراطية والانتخابات النزيهة والمؤسسات القوية رهانًا على استقرار الوطن ووحدته ومستقبله.