الممارسة الحزبية بالمغرب وسؤال الشرعية: هل نعيش “ديمقراطية المؤسسات” أم “إقطاعيات الزعامات”؟

  • بتاريخ : 21 مايو 2026 - 23:47
  • بقلم: محمد سالم البوهان
    باحث في القانون العام والعلوم السياسية

    مرت الديمقراطية عبر التاريخ بموجات كبرى، من مخاضات القرن التاسع عشر في أوروبا وصولاً إلى التحولات العنيفة في القرن العشرين. وفي كل مرة، كان الصراع يحتدم بين “روح الديمقراطية” وقوى الاستبداد. وفي المغرب، ورغم الانخراط في “المسلسل الديمقراطي” منذ عقود، لا يزال السؤال الجوهري يطرح نفسه بحدة: لماذا يعجز الفاعل الحزبي عن التحول إلى قاطرة حقيقية للتغيير؟ ولماذا تظل الهوة تتسع بين النخب السياسية والقاعدة الاجتماعية؟
    إن القراءة في “سوسيولوجيا بنية الأزمة” تكشف أننا أمام معضلة تتجاوز مجرد القوانين، لتلامس بنية ذهنية وتنظيمية معقدة، حولت الأحزاب من “مدارس للتنشئة” إلى “حصون مغلقة” تفتقد لشرعية الإنجاز والثقة.

    شخصنة السلطة: عندما يتحول الحزب إلى “زاوية”

    تكمن أولى تجليات الأزمة في “شخصنة السلطة” داخل التنظيمات الحزبية. فالممارسة الحزبية بالمغرب، وفي كثير من نماذجها، لم تستطع الانفكاك من موروث “الزوايا” التقليدية. وكما أشار المفكر عبد الله العروي، فإن الحزب السياسي المغربي تشكل في بيئة مشبعة بقيم “الشرف” و”البركة” و”التقديس”.
    هذه البنية الاجتماعية أنتجت علاقة بين “الزعيم” و”المريد”؛ حيث يصبح القائد الحزبي هو الشخصية المحورية التي يدور في فلكها كل شيء، وقراراته لا تقبل المناقشة. إنها “الأبوية السياسية” (Patriarchy) التي تجعل من الزعيم رمزاً خالداً في منصبه، لا يتزحزح عنه إلا بـ”الموت” لا بصناديق الاقتراع. وتاريخ أحزابنا المغربية، لاسيما المنبثقة من الحركة الوطنية، يزخر بنماذج لزعامات استمرت لعقود، مما حول الانتخاب الداخلي من آلية للتداول إلى مجرد “طقس” لتزكية الوضع القائم.

    المفارقة الكبرى: الدولة تُصلح الأحزاب!
    من أغرب المفارقات التي يسجلها التاريخ السياسي المغربي المعاصر، هي أن المبادرة لإصلاح الأحزاب وتحديثها جاءت من “المؤسسة الملكية” وليس من الأحزاب ذاتها. فمنذ خطاب العرش سنة 2000 وما تلاه من إصلاحات قانونية (مثل قانون 36.04 وقانون 29.11)، ظهرت السلطة المركزية كفاعل يضغط من أجل “تأهيل” الأحزاب.
    هذا المعطى يحمل دلالة عميقة على “القصور الحزبي”؛ فبدل أن تكون الأحزاب هي التي تقترح إصلاح النظام السياسي، أصبح النظام هو من يسعى لانتشال الأحزاب من عجزها البنيوي. لقد تحولت الأحزاب، بسبب ضعفها وتخليها عن شعاراتها التاريخية مقابل إغراءات الاندماج، إلى “متاريس” أو “دعامات” للنظام لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية، عوض أن تكون شريكاً فعلياً في ممارسة السلطة ببرامج واضحة وقاعدة شعبية وازنة.

    أزمة الوساطة: حين يغيب “الجسر” بين الدولة والمجتمع
    الوظيفة الأساسية لأي حزب في العالم هي “الوساطة”؛ أي كونه القناة التي تنقل مطالب الشعب إلى مراكز القرار. لكن في المغرب، يعاني هذا الجسر من تصدعات خطيرة نتيجة “أزمة ثقة” مركبة.
    هذه الأزمة تغذيها عوامل ذاتية وموضوعية؛ فعلى المستوى الموضوعي، ساهم التاريخ السياسي في جعل الأحزاب مجرد فضاءات لتدبير “صراعات المصالح الشخصية” وتأثيث الفضاء العام. أما على المستوى الذاتي، فقد أدى “ضعف التأطير” و”غياب الديمقراطية الداخلية” إلى إفراغ العمل الحزبي من محتواه التربوي. فالمواطن المغربي لا يرى الحزب إلا في “المناسبات الانتخابية”، مما رسخ صورة ذهنية للحزب كـ”دكان انتخابي” يفتقر للالتزام الدائم بهموم الناس اليومية مثل الصحة والتعليم والتضخم.

    الاختبار القاسي: حراك 20 فبراير 2011
    لقد كان “حراك 20 فبراير” بمثابة “مرآة” كشفت عجز الفاعل الحزبي. ففي اللحظة التي خرج فيها الشارع للمطالبة بإصلاحات عميقة، وجدت أغلب الأحزاب نفسها في موقف “المتردد” أو “الموالي” الصرف للوضع القائم، خوفاً من ضياع توازناتها مع السلطة.
    وبينما تبنى حزب مثل “النهج الديمقراطي” الحراك من الخارج، نجد أحزاباً أخرى مثل “الاستقلال” و”العدالة والتنمية” حاولت مسك العصا من الوسط، عبر التعبير عن “عدم الممانعة” في التظاهر مع رفض المشاركة الرسمية خشية الانزلاقات. هذا الارتباك في المواقع أكد أن الأحزاب لم تعد تمتلك “القدرة الاستيعابية” للاحتجاجات الجديدة، وأن لغتها أصبحت متقادمة أمام جيل جديد يطالب بديمقراطية حقيقية تتجاوز “المكياج المؤسساتي”.

    نحو تعاقد جديد أو “الموت السياسي”

    إن الأحزاب المغربية اليوم مطالبة، أكثر من أي وقت مضى، بدمقرطة طريقة تسييرها. لم يعد مقبولاً استمرار مشهد فاقد للمصداقية، تُختزل فيه القواعد الحزبية في دور “الكومبارس” لتزكية القيادات. كما أن الإنتقال الديمقراطي الحقيقي يتطلب أحزاباً:
    تنبذ الوصاية: بحيث يكون العضو الحزبي هو مصدر القرار الحقيقي.
    تكرس الشفافية: المالية والسياسية، وترشد تدبير أموالها العامة.
    تستقل بقرارها: وتفك الارتباط مع كل أشكال الوصاية الخارجية لتمارس دورها الدستوري في “مشاركة السلطة” بمسؤولية ومحاسبة.
    لقد وضع دستور 2011 الإطار القانوني لتأهيل المشهد الحزبي، ومنع ظواهر مثل “الترحال السياسي”. لكن النصوص وحدها لا تصنع الديمقراطية؛ فالديمقراطية تتطلب “أحزاباً ديمقراطية” في جوهرها، تمتلك الإرادة لتجديد نخبها وفتح المجال للشباب والنساء، ليس كواجهة لتجميل الصورة، بل كفاعلين حقيقيين في مراكز النفوذ.

    باختصار، إما أن تنجح الأحزاب في “ثورة داخلية” تعيد إليها الأمل والثقة لدى المواطن، أو ستظل مجرد تنظيمات تؤثث الفضاء العام، بينما تظل السلطة الحقيقية والشرعية الشعبية في وادٍ آخر.