من المرتقب أن يصل صبيحة يوم غد الأربعاء، إلى مطار محمد الخامس بالدار البيضاء، فوج من الشباب المغاربة ضحايا الاتجار بالبشر بليبيا، وتأتي هذه العودة تتويجا لجهود حقوقية دؤوبة قادتها السيدة لالة فاطمة الإدريسي بوغنبور، النائبة الثانية للمركز المغربي للعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان، حيث تم رصد أماكن الضحايا وتنسيق ترحيلهم عبر تعاون وثيق مع الصليب الأحمر الدولي، والمفوضية السامية للأمم المتحدة، والقنصلية المغربية بليبيا.
وإذ يرحب المركز بهذه الخطوة الإنسانية، فإنه يؤكد استمراره في مواكبة الضحايا، وملاحقة الشبكات الإجرامية المسؤولة عن استغلالهم، لضمان عدم إفلات المتورطين من المساءلة القانونية.
فصول المأساة: من البحث عن لقمة العيش إلى شرك تجار البشر
بدأت فصول هذه المأساة عندما غادر هؤلاء الشباب أرض الوطن نحو ليبيا بحثا عن فرص عمل لتحسين أوضاعهم المادية والاجتماعية، إلا أنهم سرعان ما وجدوا أنفسهم وسط دوامة من العنف والاحتجاز الممنهج، حيث تعرضوا لهجمات مسلحة في مقرات إقامتهم ومدن تنقلهم مثل تاجوراء ومصراتة، خلال هذه الاعتداءات، عمدت عصابات الاتجار بالبشر إلى تجريدهم من كافة وثائق هويتهم وجوازات سفرهم وهواتفهم النقالة، تاركين إياهم في حالة من العزلة التامة عن العالم الخارجي وعن أهاليهم بالمغرب.
وقد عاش الشباب لحظات عصيبة تحت التهديد، حيث تم توقيف أغلبهم في بوابات أمنية وهمية، مثل بوابة الدافنية، واقتيادهم لمراكز احتجاز لعدة أسابيع، ولم تقتصر المعاناة على الاحتجاز، بل امتدت لتشمل تصفية خمسة أشخاص في ظروف غامضة، مما زاد من ذعر البقية على حياتهم.
وفي ظل هذا الخطر المحدق، نجح هؤلاء الشباب في الهروب والاختباء لدى أحد المواطنين الليبيين الشرفاء الذي آواهم في منزله لمدة ناهزت الشهر.
وخلال فترة الاختباء، كانت العصابات الإجرامية تشن حملات تفتيش واسعة للوصول إليهم واستكمال عمليات الابتزاز المالي التي باشرتها ضد عائلاتهم بمدينة القصر الكبير، مطالبة بمبالغ مالية ضخمة مقابل إطلاق سراحهم.
وقد كان الشباب يعيشون تحت حماية هشة وغير مستقرة، حيث كان الخوف من التخلي عنهم أو التبليغ عن مكانهم يطاردهم في كل لحظة، مما جعل مصيرهم معلقا بين الموت والحياة في منطقة نائية تفتقر لأبسط سبل الأمن.
وفي ظل استمرار تواجد هؤلاء الشباب بدون مأوى ولا وسائل تواصل وفقدان جوازات سفرهم، جعلهم في وضعية هشاشة، وقد شكل تواصلهم السري مع عائلاتهم ومن ثم مع الناشطة الحقوقية لالة فاطمة الإدريسي بوغنبور الخيط الرفيع الذي أنقذهم من تصفية جسدية وشيكة، حيث بدأت بعدها تحركات المركز المغربي للعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان على عدة مستويات لانتشالهم من هذا الجحيم.
تحرك المركز: نداءات استغاثة عائلية تحرك الآلة الحقوقية
استنفر المركز المغربي للعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان كافة أجهزته فور توصله بطلبات مؤازرة عاجلة من عائلات الضحايا بمدينة القصر الكبير، وتضمنت هذه الطلبات معطيات دقيقة حول الهوية والحالة المأساوية التي يتواجد عليها الشباب الذين استغاثوا بوطنهم لإنقاذهم من الموت المحقق.
وقد شرعت المنظمة الوطنية التي تهدف الى مساندة المهاجرين وحماية حقوق الإنسان بناء على هذه الشكايات، في تكييف هذه النازلة دستوريا وقانونيا، معتبرا حماية هؤلاء المواطنين التزاما سياديا للدولة المغربية بموجب الفصل 16 من دستور 2011، حيث باشر المكتب التنفيذي للمركز باتصالات ومراسلات، شملت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، لوضعهم في صورة الانتهاكات الجسيمة التي تمس الحق في الحياة والسلامة البدنية لهؤلاء المغاربة.
تصريح النائبة الثانية للمركز: تنسيق دولي لانتزاع الأرواح من قبضة العصابات
وفي تصريح للسيدة لالة فاطمة الإدريسي بوغنبور، النائبة الثانية للمركز حول الملف، أكدت على أن وضعية الشباب بليبيا كانت جد حساسة وخطيرة، حيث أن مقتل 5 من رفاقهم مما جعلهم في سباق مع الزمن لإنقاذ الـ 11 المتبقين، حيث بدأ التنسيق بمحاولة تأمين مكان اختبائهم عبر التواصل المستمر مع المواطن الليبي المضيف، الذي يستحق كل تقدير على شجاعته في توفير حماية مؤقتة للشباب العالقين رغم كل المخاطر التي كانت تحيط بمنزله من قبل شبكات الاتجار بالبشر.
وقد تم مراسلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر تضيف الناشطة في مجال الهجرة والشباب، استنادا إلى المادة 4 من نظامها الأساسي التي تمنحها حق المبادرة الإنسانية في حالات الاضطرابات الداخلية، كما طالبت بتدخلهم الميداني لتوفير الحماية الجسدية المباشرة للشباب، حيث تعتز بالتعاون الذي أبداه الصليب الأحمر في رصد مكانهم وتأمين سلامتهم كخطوة استباقية قبل بدء إجراءات الترحيل.
وأردفت قائلة أن التنسيق شمل أيضا منظمة الهجرة الدولية والمفوضية السامية للأمم المتحدة، حيث وضعنا بين أيديهم ملفا متكاملا يثبت تعرض هؤلاء الشباب لانتهاكات تمس الحق في الحياة، وتم مطالبتهم بالتدخل لدى السلطات الليبية والمنظمات الشريكة لانتشالهم من قبضة العصابات وتوفير مأوى آمن لهم، مع التركيز على وضعيتهم كفئات عوز وهشاشة تتطلب حماية دولية فورية وفق المعايير الأممية.
وعن دور القنصلية المغربية، أوضحت الناشطة الحقوقية، فقد كانت التواصل بشكل مكثف مع المصالح القنصلية المغربية بليبيا، حيث كان التحدي الأكبر هو سرقة جوازات سفرهم، وبموجب اختصاصات وزارة الخارجية في حماية المواطنين بالخارج، وجدنا تجاوبا في تسهيل مساطر إثبات الهوية وإعداد وثائق السفر اللازمة للعودة، وهو ما يعكس روح المسؤولية التي كرسها الدستور المغربي في حماية حقوق المواطنين أينما وجدوا.
وفيما يخص الجانب القانوني، فقد شددت الناشطة بوغنبور على أن مهمة الجمعية لن تنتهي بوصول الشباب للمطار، بل ستستمر في مواكبة الضحايا قانونيا ونفسيا، كما أن المركز عازم على متابعة الشبكات الإجرامية المسؤولة، استنادا الى الدستور والقانون الدولي الانساني والقانون الدولي لحقوق الانسان، وما تضمنه قانون الجمعية الاساسي صراحة، والذي يهدف الى مؤازرة وإنصاف ضحايا الخروقات بالوسائل المشروعة المتاحة، حيث أن استغلال حاجة الشباب وابتزاز عائلاتهم جريمة لا تسقط بالتقادم، وسنعمل على ضمان عدم إفلات المتورطين من العقاب.
واختتمت لالة فاطمة بوغنبور الادريسي تصريحها بالقول، أن هذه العملية هي انتصار لقيم التضامن والعدالة الاجتماعية التي تأسس عليها مركزنا، وتجسيد فعلي لمفهوم المواطنة الذي نادى به جلالة الملك في خطاب دستور 2011، حيث تصبح كرامة المواطن المغربي فوق كل اعتبار، كما اعربت عن امتنانها لكل الشركاء الدوليين والمحليين الذين ساهموا في كتابة نهاية سعيدة لهذا الملف الإنساني الثقيل.





إرسال تعليق