تعيش ساكنة حي اليانس دارنا، حالة من التذمر بسبب ما تعتبره سوء تدبير في توزيع حاويات النفايات، وهو وضع تقول إنه حول محيط بعض العمارات إلى نقطة تجميع شبه دائمة لنفايات أحياء مجاورة، بما يخلّ بشروط النظافة والإنصاف المجالي.
وحسب الشكاية الموجهة إلى رئيس جماعة المهدية، فإن هذا التمركز غير المتوازن للحاويات لم يراعِ حق باقي الأزقة في الاستفادة من نقاط تجميع عادلة، ما جعل الأعباء البيئية والصحية مركزة في محيط سكني واحد.
كما أشارت الشكاية إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بوجود الحاويات قرب المنازل، بل تمتد إلى السلوك اليومي لبعض القاطنين الذين صاروا يرمون نفاياتهم أمام هذا الموقع بعد إبعاد الحاويات عن شوارعهم، الأمر الذي يضاعف الضغط على السكان المقيمين بشكل دائم في المنطقة، وتفيد الشكاية بأن أغلب منازل الشارع مملوكة لأشخاص يقيمون خارج المغرب، وهو ما يجعل المتضررين الحقيقيين هم قلة من السكان الذين يتحملون وحدهم آثار هذا الوضع غير المتوازن.
وتزداد حدة الضرر، بحسب الوثيقة نفسها، مع عملية جمع النفايات بواسطة الشاحنات، حيث تتسرب عصارة الأزبال إلى الطريق وتظل عالقة بالمكان، متسببة في روائح كريهة تتفاقم مع ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف، كما تلفت الساكنة الانتباه إلى تجمهر الكلاب الضالة حول أكوام النفايات، وهو عامل إضافي يثير القلق بشأن السلامة الصحية والسكينة العامة داخل الحي؛ ويعكس ذلك، في نظر المشتكين، خللا في تدبير مرفق النظافة على مستوى محلي يحتاج إلى معالجة عاجلة ومنصفة.
وتخلص الشكاية إلى إعادة النظر في توزيع الحاويات وفق معايير عادلة تشمل جميع الشوارع، وعدم ترك هذا الموقع نقطة دائمة لتجميع نفايات الأحياء المجاورة، كما تطالب بتنظيف وتعقيم مكان التجميع بشكل منتظم، واتخاذ إجراءات عملية للحد من تجمع الكلاب الضالة، بما يضمن بيئة سليمة تحفظ حق السكان في العيش الكريم، وتبرز هذه المطالب حجم الهوة بين ما يفترض أن يقدمه المرفق الجماعي من خدمة متوازنة، وما يعيشه السكان من أضرار يومية متراكمة، حيث أن الوضع القائم يمس مباشرة الحق في بيئة سليمة ويفرض على السكان المقيمين تحمّل نتائج قرار لم يشاركوا في صياغته.

وفي نفس السياق، يشخص الناشط الحقوقي فؤاد بوؤدينة أن النازلة باعتبارها مثالا واضحا على اختلال العدالة المجالية في توزيع خدمات النظافة، حيث تتحمل فئة محدودة من السكان كلفة قرار تدبيري لا يراعي التوازن بين الأزقة ولا يضمن المساواة في الاستفادة من المرافق العمومية، ويؤكد أن استمرار ترك الحاويات قرب نقطة واحدة، مع انتقال نفايات شوارع أخرى إليها، يعكس ضعف التخطيط المحلي وغياب آلية فعالة لتتبع الشكايات ميدانيا.
ولذلك فإن المطلوب، يتابع فؤاد بوؤدينة ، ليس مجرد تدخل ظرفي، بل تصحيح بنيوي لطريقة توزيع الحاويات وتدبير نقاط التجميع داخل الحي، وفي حال استمر هذا الوضع، فإن أثره لن يظل محصورا في الانزعاج اليومي، بل قد يمتد إلى تشويه علاقة السكان بالمرفق الجماعي نفسه وفقدان الثقة في عدالته، والتي تتجلى في طريقة اتخاذ القرار المحلي وتقدير الأثر الاجتماعي والبيئي على الساكنة، فحين تغيب المقاربة التشاركية والإنصاف في توزيع الأعباء، تتحول خدمة النظافة من آلية للرفاه العام إلى مصدر توتر يومي داخل الحي، كما أن تكرار الشكايات من هذا النوع يكشف أن تدبير النفايات يحتاج إلى مراقبة ميدانية أدق، وتنسيق أوضح بين الجماعة والجهات المفوضة، حتى لا يبقى المواطن الحلقة الأضعف في سلسلة الخدمة العمومية.
ويضيف الباحث في حقوق الانسان والسياسات العمومية أن المسؤولية لا تقف عند حدود عمال النظافة أو الشركة المفوضة، بل تمتد إلى المجلس الجماعي باعتباره الجهة التي يفترض أن تضمن حسن توزيع الخدمة العمومية ومراقبة أثرها على الساكنة، حيث يدعو إلى اعتماد مقاربة تشاركية مع السكان، والقيام بمعاينة ميدانية منتظمة، ووضع حلول عملية تمنع تحويل الأحياء السكنية إلى نقاط تجميع دائمة، كما يشدد على أن الحق في بيئة نظيفة ليس مطلبا ثانويا، بل جزء من الحقوق الأساسية التي ينبغي صونها في أي تدبير محلي مسؤول، وليست مُنَّة من أحد.
وتتمثل مسؤولية رئيس المجلس الجماعي لمدينة المهدية، يتابع الناشط الحقوقي، في السهر على حسن تدبير المرافق الجماعية، ومن بينها مرفق النظافة، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بحماية النظام العام الصحي داخل النفوذ الترابي للجماعة، كما يقع عليه واجب تلقي الشكايات والتفاعل معها بجدية، وتوجيه المصالح المختصة لإيجاد حلول عادلة ترفع الضرر عن الساكنة وتضمن توزيعا منصفا للحاويات والخدمات المرتبطة بها، ويقتضي ذلك أيضا متابعة تنفيذ الحلول على أرض الواقع وعدم الاكتفاء بالوعود والتي وعد بها ساكنة اليانس مع بداية صيف سنة 2025، الذي عرى الواقع البيئي بالمنطقة بعد أن فشل في إبرام شراكة في اطار التدبير المفوض لقطاع النظافة.
وفي هذا السياق، يختم الناشط الحقوقي فؤاد بوؤدينة حديثه قائلا: (إن مراسلاتنا المتكررة لرئاسة المجلس الجماعي بخصوص حي اليانس دارنا لم تكن مجرد إجراءات إدارية، بل تنبيها مبكرا لفراغ تدبيري خلفه انسحاب شركة أوزون، وأمام استمرار تجاهل المطالب ونكث الوعود التي قُدمت للساكنة في صيف 2025، اضطررنا في المركز المغربي للعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان لإصدار بيانا استنكاريا، ندين من خلاله غياب العدالة المجالية وتحول خدمة النظافة إلى مصدر توتر يومي يمس بالحق الأصيل في بيئة سليمة، لكن الرد على مراسلات الجمعية الحقوقية كان قاسيا وبعيد البعد عن آمال و تطلعات المجتمع المدني، أو ما نص عليه دستور الحقوق والحريات، لتبقى للمجتمع المدني الوسائل الترافعية التي منحها دستور 2011، بعد الاذان الصماء من السلطة المنتخبة والمنبثقة من صلب المجتمع المدني لتمثلهم لا تمثل عليهم).





إرسال تعليق