يحيي المجتمع الدولي الذكرى العاشرة لدخول اتفاقية منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) بشأن تدابير دولة الميناء (PSMA) حيز التنفيذ، وهي أول صك دولي ملزم قانونا يستهدف مكافحة الصيد غير القانوني وغير المصرح به وغير المنظم.
وتهدف هذه المعاهدة التاريخية إلى منع دخول الأسماك المصطادة بطرق غير شرعية إلى الأسواق العالمية، مما يقلل بشكل مباشر من الحوافز الاقتصادية التي تقف وراء هذا النوع من القرصنة البحرية.
وقد شكلت هذه الاتفاقية حجر الزاوية في بناء نظام رقابي دولي يفرض على دول الميناء تفتيش السفن الأجنبية بدقة والتأكد من امتثالها للقوانين قبل السماح لها بتفريغ شحناتها.
وقد أحدث التطور التكنولوجي نقلة نوعية في قدرات المراقبة والرصد، حيث تم تعميم استخدام أنظمة تتبع السفن عبر الأقمار الصناعية(VMS) ، والتي تسمح للسلطات البحرية بمراقبة السفن في الوقت الفعلي، وتحديد سرعتها وموقعها بدقة، مما يسهل كشف الأنشطة المشبوهة في المناطق المحظورة أو خلال فترات الراحة البيولوجية، وتعد مراكز مراقبة المصايد الذي تم تدشينه في بعض دول حوض المتوسط نموذجا للتقدم في تعزيز قدرات التتبع والسيطرة الميدانية.
وعلى المستوى الإقليمي، بذلت الهيئة العامة لمصائد أسماك البحر الأبيض المتوسط (CGPM) جهودا حثيثة لتحويل هذه الالتزامات الدولية إلى إجراءات ملموسة في المنطقة، وقد شملت هذه المبادرات إطلاق برامج تفتيش مشتركة وتدريب مئات المفتشين والضباط على منهجيات موحدة لتقييم حجم الصيد غير القانوني، كما تم وضع “قائمة سوداء” للسفن المتورطة في مخالفات جسيمة لحرمانها من الولوج إلى الخدمات المينائية في كافة الدول الأعضاء.
كما تشير التقارير الدولية إلى أن هذه الجهود بدأت تؤتي ثمارها بشكل ملموس على أرض الواقع؛ حيث انخفض ضغط الصيد في منطقة المتوسط والبحر الأسود بنسبة تصل إلى 50% منذ عام 2013، وقد أدى هذا التراجع في كثافة الاستغلال إلى انتعاش ملحوظ في الأرصدة السمكية التي كانت تعاني من الاستنزاف، حيث وصلت بعض المخزونات إلى مستويات صحية غير مسبوقة؛ حيث يمثل هذا النجاح ثمرة سنوات من الاستثمار في أنظمة الإدارة والتنسيق العابر للحدود لحماية “الاقتصاد الأزرق.
وفي نفس السياق، يرى حسن مرباح العضو النقابي بالرابطة الوطنية للصيد البحري، أن مرور عشر سنوات على مكافحة الصيد غير القانوني يعتبر فرصة لمراجعة واقع الموانئ المغربية وقرى الصيادين من زاوية حقوقية محضة، فمكافحة استنزاف الثروات السمكية ليست مجرد إجراء تقني، بل هي صمام أمان لصون حقوق البحارة المغاربة الذين يعانون من تآكل دخولهم بسبب المنافسة غير المتكافئة، فالبحار المغربي، سواء في الصيد التقليدي أو الساحلي أو أعالي البحار، هو الجندي الخفي الذي يتحمل عبء حماية الموارد عبر تقيده الصارم بالقوانين الوطنية.
ونحن في الرابطة يضيف حسن مرباح، نؤكد على أن حماية الثروة السمكية من الصيد العشوائي يجب أن تواكبها حماية موازية للعنصر البشري عبر تحديث “مدونة الشغل البحرية”، وأن إشراك المهنيين في تدبير المصايد هو السبيل الوحيد لضمان عدالة التوزيع وتحقيق العمل اللائق في البحر.
وأضاف أننا ندق ناقوس الخطر بخصوص قطاع الصيد التقليدي والساحلي، حول هشاشة دخل الصياد المرتبط بنظام “الحصة” أو “القسمة” فهذا النظام يجعل الصياد شريكا في الخسارة خلال فترات تراجع المصطادات لأسباب جوية او موسمية او ادارية، دون أن يضمن له حدا أدنى للأجرSMIG، حيث نطالب بآليات دعم مادية واضحة للبحارة خلال فترات الراحة البيولوجية التي تفرضها الدولة لحماية السمك، لكون البحار هو من يدفع ثمن هذه السياسات والخطط من لقمة عيشه، فإشكالية الحماية الاجتماعية تظل الجرح النازف في القطاع؛ فالأمن الاجتماعي للبحار هو الركيزة الأساسية التي تجعل مهنة الصيد جذابة للأجيال الشابة.
وفيما يتعلق بالسلامة البحرية، فالهيئة النقابية يضيف، تثمن الجهود المبذولة من أجل تنزيل مقتضيات المرسوم رقم 2.18.103 المتعلق بمعدات الإنقاذ، وتطالب بتعميمها المجاني على قوارب الصيد التقليدي، فأرواح البحارة أغلى من أن تترك لمغامرات غير محسومة في ظل غياب أجهزة التموضع والاتصال اللاسلكي في القوارب الصغيرة، ونؤكد أن الرفع من مستوى السلامة هو جزء لا يتجزأ من استراتيجية النهوض بقطاع الصيد البحري.
كما نجدد مطلبنا داخل الهيئة يتابع العضو النقابي، بالحرية النقابية الفعلية داخل الموانئ وفتح قنوات الحوار الاجتماعي مع المجهزين تحت إشراف الإدارة البحرية، فتهميش صوت البحار البسيط في غرف الصيد البحري يؤدي إلى تغليب كفة المصالح الاقتصادية على الحسابات الاجتماعية والبيئية، ونحن نؤمن أن النقابة القوية هي الشريك الموثوق لإدارة مسؤولة تهدف إلى تنمية مستدامة وحقيقية.
ومن جهة أخرى، صرح فؤاد بوؤدينة عضو المركز المغربي للعدالة الاجتماعية وحقوق الانسان وباحث في حقوق الانسان والسياسات العمومية، أن الثروة السمكية هي ملك وطني ومحور أساسي لاستمرارية قطاع الصيد البحري، وقد حان الاوان الى تكثيف الجهود من اجل حمايتها من النهب، فحمايتها هي حماية لمستقبل آلاف الأسر التي تعيش من البحر، ومستقبل الاجيال القادمة وفق المسار الذي تبناه المغرب في التزامه تجاه المجتمع الدولي، والذي جعل من العنصر البشري محور كل السياسات العمومية، ومن التنمية المستدامة هدفا.
وبرى الناشط الحقوقي أن نجاح خطط تهيئة المصايد مرتبط بمدى قدرة الادارة الوصية على القطاع على إدماج الصيادين كفاعلين في الرقابة والمحافظة عليها، وليس كمتلقين للقرارات الزجرية فقط، كما يؤكد على ان التوازن بين “حماية الموارد” و”حماية البحار” هو جوهر الاستدامة التي ننشدها، كما يكشف واقع الموانئ المغربية اليوم عن فجوة عميقة بين النصوص القانونية والوضع الاجتماعي للبحار؛ حيث لا تزال الفصول المتعلقة بظروف عمل البحار بظهير 1919 تلقي بظلالها على علاقات الشغل المتقادمة، وتجعل من مبدأ يعود للقرن السابع عشر قاعدة للأعراف في الوسط المهني، والتي تركت البحار الحلقة الأضعف في سلاسل القيمة البحرية.





إرسال تعليق