تميل أغلب قراءات المشهد السياسي اليوم إلى التعامل مع ما يجري في الصحراء المغربية، إلى اعتباره تصفية حسابات سياسية بين كبار الأقطاب والشخصيات، غير أن حقيقة الأمر والسياقات الاجتماعية والسياسية تشير إلى مضي الدولة نحو ترتيب البيت الدخلي وإعادة تشكيل النخب السياسية الصحراوية.
كما أن تزامن التسريبات التي تستهدف شخصيات وازنة انتخابيا واقتصاديا في المنطقة، مع التطورات الجديدة التي تشهدها قضية الصحراء، ليس صدفة سياسية، في ظل توالي مؤشرات توحي بأن القضية الوطنية دخلت مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من منطق “إدارة النزاع” إلى التفكير الجدي في شروط تنزيل الحكم الذاتي.
ففي ظل هذا الزخم والتحول الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، وسعيها الواضح نحو تسوية واقعية وعملية ترتكز على مخطط الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، يبرز التساؤل حول تحقيق الانتقال السياسي الكبير بنفس النخب التقليدية القديمة؟ وهل تملك هذه النخب التي راكمت النفوذ والولاءات لعقود، القدرة على قيادة مرحلة تتطلب أدوات تدبيرية مختلفة تماما؟
الإجابة عن هذه التساؤلات تتطلب استحضار تجارب نزاعات العالم، بهدف الوقوف على مشترك ثابت، يتجسد في أن تسوياتها السياسيةفي الغالب تكون مسبوقة بإعادة تشكيل للنخب السياسية المحلية.
وفي هذا السياق، يصبح من المشروع قراءة التسريبات الأخيرة كجزء من عملية إعادة ضبط للتوازنات، إذ تدرك الدولة أن الدفاع عن مشروع الحكم الذاتي لا يمكن أن يستمر بالفعالية نفسها في ظل استمرار ثنائية “الفساد والريع”، لأن نتيجتها تفضي إلى تكريس احتكار ثمار التنمية من طرف كمشة عائلية، وبالتالي لا تنعكس بشكل متوازن على المجتمع الصحراوي.
ولعل أبلغ دليل على أن هذه البنية باتت تشكل عبئا سياسيا ودبلوماسيا، هو ذلك التساؤل المنسوب لرئيس مجلس الشيوخ الفرنسي، “جيرارد لارشيه”، حين أبدى استغرابه من هيمنة عائلة واحدة، وهي عائلة “أهل الرشيد”، على مفاصل القرار في المنطقة، من خلال الجمع بين رئاسة المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية (الكوركاس)، ومجلس المستشارين، ومجلس جهة العيون الساقية الحمراء، ومجلس جماعة العيون.
فهذا التركيز المطلق للسلطة في يد عائلة واحدة يضعف القيمة التسويقية لمشروع الحكم الذاتي أمام الشركاء الدوليين، بشكل يصعب معه تقديم المقترح كنموذج ديمقراطي تشاركي حديث، بينما تدار المنطقة بآليات تشبه “الأولغارشية” أو “الإقطاعية” السياسية، استغراب “لارشيه” يعكس أن القوى الكبرى الداعمة للمغرب بدأت تضع بنية الحكامة بالمنطقة تحت المجهر، مما يجعل إنهاء هذا الاحتكار ضرورة ملحة لمواكبة الأفق السياسي الجديد.
ارتباطا بذلك، يبدو أن المرحلة الحالية هي عملية “إعادة هندسة هادئة” للمشهد الصحراوي، هدفها إنتاج نخب أكثر كفاءة وقابلية للتسويق السياسي والدولي، وأقل ارتباطا بصورة الولاء التقليدي وتضارب المصالح، كما أن هذا المخاض لا يخلو بطبيعة الحال من صراعات داخلية ومعارك تموقع حادة بين أقطاب النفوذ القائمة، والتي تشعر أن المنطقة مقبلة على توزيع جديد للسلطة والثروة.
في المحصلة، لا يبدو أن إرادة الدولة القوية، نحو تنزيل الحكم الذاتي واقعيا ستغير شكل الإدارة المحلية فحسب، بل ستعيد تشكيل مراكز القرار والنفوذ المالي والسياسي، وبالتالي فإن ما نراه اليوم ليس مجرد صراع انتخابي كما يحاول البعض تصويره، بل هو بداية صياغة جديدة للمشهد للصحراوي تتوافق مع مرحلة التسوية السياسية لملف الصحراء، والتي باتت أقرب مما يعتقده كثيرون.





إرسال تعليق