يشكل فضاء الساحل والصحراء اليوم نقطة ارتكاز حاسمة في مستقبل السلم والسلام الإفريقي، ليس فقط باعتباره مجالاً جغرافياً مضطرباً، بل لأنه يمثل مختبراً حقيقياً لقدرة الدول الإفريقية على بناء نموذج متكامل يربط بين الأمن والتنمية والثقافة في إطار سيادي مستقل.
فالمنطقة التي تضم دولاً مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد وموريتانيا أصبحت اليوم مجالاً تتقاطع فيه التحديات الأمنية مع رهانات الهوية والاستقرار والسيادة.
إن أي استراتيجية حقيقية للسلم والسلام الإفريقي، ومن ثم لترسيخ الدين الإفريقي الوسطي، ينبغي أن تنطلق أولاً من إعادة بناء المنظومة الأمنية على أسس وطنية ومؤسساتية قوية. فالأمن ليس مجرد انتشار عسكري فقط، بل هو منظومة متكاملة تشمل جيشاً مهنياً، وأجهزة أمنية فعالة، وتنسيقاً استخباراتياً إقليمياً، وقضاءً مستقلاً يضمن سيادة القانون. الاستقرار شرط تأسيسي لأي مشروع تنموي أو ثقافي، لأن غياب الأمن يفتح المجال أمام التنظيمات المسلحة وشبكات الاتجار غير المشروع، ويقوض ثقة المواطن في الدولة.
غير أن المقاربة الأمنية وحدها غير كافية ما لم تُدمج في استراتيجية شاملة تعالج جذور الهشاشة. فبسط السيادة يعني حضور الدولة بمؤسساتها التعليمية والصحية والإدارية في كل المجالات الترابية، وخاصة في المناطق الحدودية والصحراوية. كما يقتضي إطلاق مشاريع تنموية كبرى في مجالات الطاقات المتجددة، والبنيات التحتية، والربط الطرقي، والاقتصاد الرعوي والفلاحي، بما يعيد إدماج هذه المناطق في الدورة الاقتصادية الوطنية والإقليمية. بهذا المعنى، تصبح التنمية دعامة للأمن، ويصبح الأمن حامياً للتنمية.
وفي هذا السياق، يبرز الموقع الاستراتيجي لـ المغرب باعتباره جسراً جيوسياسياً بين شمال القارة وعمقها الأطلسي والإفريقي. فبعد تفعيل مشروع الحكم الذاتي في الصحراء المغربية كحل سياسي قائم على توسيع صلاحيات التدبير المحلي في إطار السيادة الوطنية، يمكن أن تتحول الأقاليم الجنوبية إلى منصة استقرار وتكامل إقليمي. هذا التحول من شأنه أن يخلق توازنات جديدة في الساحل والصحراء، عبر تعزيز الربط الاقتصادي واللوجستيكي، وتكريس نموذج تنموي قائم على الاستثمار والبنية التحتية والمشاريع العابرة للحدود.
إن استقرار الصحراء المغربية ضمن مقاربة الحكم الذاتي يفتح أفقاً لإعادة تشكيل المجال الصحراوي من فضاء توتر إلى فضاء اندماج. فالموانئ الأطلسية، والمشاريع الطاقية، والمبادرات المرتبطة بالتعاون جنوب–جنوب، يمكن أن تساهم في إعادة توجيه ديناميات الساحل نحو منطق التكامل بدل الصراع. كما أن الدور الديني والثقافي للمغرب في إفريقيا، من خلال تكوين الأئمة وتعزيز خطاب الوسطية، يشكل رافعة إضافية لترسيخ إسلام إفريقي معتدل ومحصّن ضد التطرف.
وبموازاة ذلك، يظل من الضروري القطع مع أساليب الحروب الباردة الجديدة التي تجعل من بعض دول الساحل ساحات تنافس نفوذ بين قوى دولية. المطلوب هو انتقال نحو جيل جديد من إفريقيا، قوامه السيادة المتوازنة، والشراكات الندية، والتكامل الإقليمي المبني على المصالح المشتركة. جيل جديد تُصبح فيه المنظومة الأمنية، والاستقرار المؤسساتي، والتنمية الاقتصادية، والثقافة السلمية عناصر مترابطة في استراتيجية واحدة.
إن مستقبل الساحل والصحراء لا ينبغي أن يُختزل في إدارة الأزمات، بل في بناء رؤية إفريقية طويلة المدى. رؤية تجعل من الأمن مدخلاً للاستقرار، ومن الاستقرار قاعدة للتنمية، ومن التنمية أرضية لسلام دائم، ومن هذا السلام منطلقاً لإسلام إفريقي متجدد ومنفتح. بذلك فقط يمكن الانتقال من مرحلة الهشاشة إلى مرحلة التوازنات الكبرى، ومن إفريقيا المأزومة إلى إفريقيا المبادِرة التي تصنع مستقبلها بقرارها السيادي وإرادتها الجماعية.





إرسال تعليق