ينص دستور المملكة المغربية على أن المغرب دولة إسلامية، ويقر بأن الدين الإسلامي أحد ثوابت الأمة الجامعة. وهذا المعطى ليس مجرد توصيف رمزي، بل يعكس هوية تاريخية وثقافية تشكلت عبر قرون، وتعبر عن انتماء مجتمع محافظ في أغلبيته. وفي أي نظام ديمقراطي، من الطبيعي أن يعكس الفضاء العام جزءا من هوية المجتمع وقيمه المشتركة، لأن الديمقراطية لا تعني اقتلاع المجتمع من جذوره، بل تنظيم إرادته العامة في إطار مؤسساتي وقانوني.
من هذا المنطلق، فإن النقاش حول تجريم الإفطار العلني في رمضان لا يمكن اختزاله في ثنائية مبسطة: الدين مقابل الحرية. فالمسألة القانونية والاجتماعية أوسع من ذلك بكثير. الحقيقة أن القانون المغربي لا يعاقب أي شخص على الحق في الإفطار أو على الممارسة الشخصية للصيام، بل ينظم الفعل العلني الذي يحمل بعدا رمزيا حساسا في الفضاء العام، خصوصا أنه يتحول أحيانا إلى فعل احتجاجي أو استعراضي استفزازي قد يثير توترات اجتماعية أو صداما مع قيم المجتمع. بهذا المعنى، التجريم ليس هجوما على الحرية الفردية، بل آلية لضبط المجال العام وحماية السلم الاجتماعي.
كما أن جوهر القانون، من منظور نظري، هو حماية النظام العام وتنظيم الفضاء المشترك، وتقاس شرعيته بمدى قدرته على تحقيق المصلحة العامة وضمان الاستقرار. فالفضاء العام ليس مجالا للحرية المطلقة، بل هو مساحة مشتركة تدار بقواعد توازن بين حرية الفرد وحق الجماعة في الاستقرار والسلم الاجتماعي. وهذا التوازن هو ما يشكل أساس الشرعية في الدولة الحديثة. هذا المنطق ليس خاصا بالمغرب. فحتى في الدول الغربية العلمانية، يتم تنظيم الفضاء العام وفق اعتبارات ثقافية واجتماعية، إذ يجرم التعري مثلا وممارسة الجنس بالفضاء العام أو بعض المظاهر الاستعراضية ليس لأن الدولة تفرض معتقدا دينيا، بل لأنها تحمي النظام العام وتمنع الاحتكاك المجتمعي.
الفضاء العام في كل الدول ليس مجالا للحرية المطلقة، بل مساحة مشتركة تدار بقواعد تضبط التعايش. كما أن تجريم الافطار العلني يعكس فهما واقعيا لطبيعة المجتمع المغربي المحافظ. فالسلوك الاستعراضي في سياق رمزي ديني قوي قد يؤدي إلى توترات واحتكاكات أو ردود فعل عنيفة وغير منضبطة.
هنا يتدخل القانون بشكل وقائي لمنع الانزلاق نحو الصدام والفوضى، ويحمي الجميع، ويضمن أن يبقى الاختلاف في حدود النقاش لا المواجهة. فهو لا يمنع القناعات الشخصية، لكنه ينظم التعبير العلني عنها حين يمس التوازن والسلم الاجتماعي.
وعند ربط الموضوع بالحداثة، بعض رموز الحداثة الزائفة يختزلونها للأسف في تمظهرات سلوكية محددة: الإفطار العلني، العلاقات الرضائية، الزواج المختلط، المثلية الجنسية… ويتجاهلون أن الحداثة الحقيقية ليست مجرد تمظهرات ولا هي قطيعة ثقافية جذرية مع هوية المجتمع، بل هي القدرة على بناء دولة مؤسسات وقانون وديمقراطية، تحترم إرادة المواطنين وتوازن بين الحرية الفردية والصالح العام.
أما فرض نموذج ثقافي جديد بالقوة، أو محاولة نزع المجتمع من مرجعيته بدعوى التقدم، فذلك لا ينسجم مع روح الحداثة ولا مع روح الديمقراطية التي تقوم على الإرادة العامة والحوار، لا على الإكراه الرمزي. بالتالي، فإن أي نقاش حول إلغاء التجريم يبقى مشروعا في المجال الفكري والسياسي، لكنه يجب أن يأخذ في الاعتبار خصوصية السياق الاجتماعي المغربي، وهوية المجتمع، واستقراره، حيث الهدف ليس فرض التدين أو قمع الحرية، بل تنظيم المجال العام وحماية السلم الاجتماعي.
لأن الإنزال المتعسف لنمط جديد على المجتمع، والسماح لبعض السلوكيات الاستعراضية المرتبطة بالحريات الفردية في مجتمع رافض وغير مستعد قد يؤدي إلى الفوضى والعنف وشرع اليد، وليس إلى الحداثة كما يدعي البعض. من هنا يظهر أن التجريم، في شكله الحالي، هو آلية عملية لحماية الاستقرار الاجتماعي وتنظيم الفضاء العام عبر القانون، وينسجم مع روح التحديث وفق رؤية واقعية وموضوعية بعيدا عن أي تبسيط أيديولوجي.
في النهاية، ما ينبغي أن نسعى إليه كمؤمنين بالخيار الديمقراطي ليس انتصار تصور على آخر، بل إدارة رشيدة للتوازن بين الفرد والجماعة، بين الحرية والنظام العام، وبين الحداثة والهوية، بما يحفظ استقرار المجتمع ويعكس إرادته ويصون هويته وتعدده ووحدته في إطار دولة القانون والمؤسسات.




إرسال تعليق