ميناء مهدية: اعتداء يوقظ جراح الماضي ويعيد فتح رسالة الإنذار المنسية

  • بتاريخ : 28 يونيو 2026 - 16:57
  • شهد ميناء مهدية حادثة مؤسفة طالت بحارا أثناء قيامه بمهامه على متن مركب للصيد الساحلي صنف الأسماك الصغيرة صبيحة السبت 27 يونيو، ووفق مصادر محلية وشهود، كان البحار في صدد تفريغ شحنة من الأسماك حين تعرّض لاعتداء من طرف شخص توصف سلوكياته بالعصابية، في غياب تدخل فوري من أجهزة الميناء، العاملون بالميناء عبّروا عن استيائهم من تكرار حوادث تستهدف أشخاص الصيد البحري بالميناء، مشيرين إلى ضعف إجراءات الحماية والتنظيم في مناطق التفريغ.

    ولم يتوقف صدى الحادث عند أسوار الميناء، بل امتد ليشعل منصات التواصل الاجتماعي، حيث أشارت الرابطة الوطنية للصيد البحري في صفحتها الرسمية على موقعها على مواقع التواصل الاجتماعي الى الحادث واستنكرته، كما سبق لنشطاء بنشر مقاطع فيديو وصور توثق لحالة التسيب والفوضى العارمة أمام رصيف التفريغ، هذه المشاهد الرقمية طرحت تساؤلات حارقة حول مدى جاهزية السلطات المينائية والمحلية في ضمان الأمن وسلامة المرتادين، خاصة وأن الميناء يعتبر فضاء مهنيا مغلقا يخضع بموجب القانون رقم 15-02 لمراقبة الوكالة الوطنية للموانئ وإدارة الجمارك وشرطة الحدود.

    كما تشير بعض المعطيات إلى أن اغلب الاعتداءات تحمل أبعادا جغرافية تمييزية، حيث يتعرض البحارة الصيادين للإهانة والتهديد بالاسلحة البيضاء بسبب كونه وافدا من موانئ الشمال من أجل سرقة محصوله بالقوة والغصب، هذا التمييز المقيت أثار غضب الشغيلة المينائية التي اعتبرت أن مثل هذه السلوكيات تضرب في العمق قيم التضامن المهني والوحدة الوطنية، وتكرس منطق البلطجة التي تستهدف عمال الصيد الشرفاء الذين يعتمدون على دورات يومية لتأمين قوت أسرهم وسلاسل التسويق المحلية، مما ينعكس سلبا على الأمن الاقتصادي والاجتماعي للمنطقة.

    من جانبه، خرج مصطفى بنجابر، العضو النقابي البارز بالرابطة الوطنية للصيد البحري المنضوية تحت لواء رابطة النقابات الحرة، بتصريح ناري يدين فيه بشدة هذا الاعتداء الهمجي، مؤكدا أن هذا الهجوم لا يطال فردا بعينه، بل يمثل مساسا بكرامة مهنة تضم آلاف العاملين، مشددا على أن حقوق العمال يجب أن تُحترم بغض النظر عن أصلهم الجغرافي. كما طالب بفتح تحقيق جدي وسريع لتقديم الجناة للعدالة، واتخاذ إجراءات زجرية وتأديبية ضد كل من يتساهل في ولوج عناصر خارجة عن القانون إلى فضاءات العمل المينائية.

    وفي نقطة تحول هامة في مسار هذه القضية، أعاد بنجابر التذكير بـالرسالة الموجهة إلى السيد مدير الوكالة الوطنية للموانئ بالقنيطرة/مهدية بتاريخ 15 يونيو 2025. تلك الرسالة التي كانت بمثابة تحذير استباقي رفعته رابطة النقابات الحرة، تستنكر فيه الوضعية المزرية لميناء مهدية الصناعي على مستوى الأمن، وتوثق حالات من الفوضى والبلطجة والتنمر التي يمارسها أشخاص غرباء ضد البحارة، خصوصا القادمين من مدن الشمال، بما في ذلك سرقة محاصيلهم اليومية من السمك.

    إن حادثة السبت الماضي يتابع مصطفى بنجابر، كانت نتيجة حتمية لتجاهل مطالب المهنيين بتفعيل آليات الحماية؛ فرسالة السنة الماضية، طالبت صراحة باتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان سلامة البحارة وحراسة المراكب أثناء عمليات التفريغ، وهو ما يقع في صلب اختصاصات الوكالة الوطنية للموانئ بموجب المادة 33 من القانون 15-02، التي تمنحها مهام السلطة والسهر على احترام قواعد السلامة والأمن داخل الموانئ.

    ويرى حقوقيون أن تكرار مثل هذه الحوادث يسلط الضوء على هشاشة منظومة الحماية وفشل الوكالة في ممارسة اختصاصاتها التي يقرها الظهير الشريف رقم 1-05-146، فالمادة 8 من القانون المنظم للموانئ تضع صيانة وتنمية مداخل الموانئ وممارسة شرطة الموانئ ضمن مسؤوليات التدبير الأساسية، مما يجعل الوكالة أمام مساءلة حقيقية حول غياب التشوير والمساعدة الأمنية وتفعيل قواعد الدخول والخروج التي تمنع الغرباء من تهديد أمن المهنيين.

    وفي مواجهة هذا الوضع، يشير مصطفى بنجابر الى ان هيئتهم النقابية تؤكد على ضرورة وضع خطة استعجالية شاملة تتجاوز الوعود الشفهية، تشمل تفعيل متابعة ميدانية لكاميرات المراقبة، وتأهيل فرق أمنية مخصصة لمرافئ الصيد، وتحديث نظام الحراسة عند البوابات، كما تستلزم دعوة الجميع الى لجنة إدارة مشتركة تضم ممثلي البحارة والمهنيين والتجار السمك بالجملة والوكالة الوطنية للموانئ والسلطات الأمنية، لتدارس الثغرات التنظيمية ووضع آليات رقابية صارمة تمنع تكرار هذه الانتهاكات التي تضر بسمعة الميناء وتعرقل عمل الشغيلة.

    ويبقى حادث السبت بميناء مهدية فرصة لتصحيح الاختلالات التي أُبلغت بها رسميا سابقا، فإن دائرة الاحتقان ستتسع بين العاملين، مما قد يجر القطاع إلى خطوات احتجاجية غير مسبوقة دفاعا عن حقهم في أرصفة آمنة وعمل يحفظ كرامتهم وسالمتهم الجسدية.