تواجه الذاكرة المعمارية لمدينة الدار البيضاء، وتحديدا في حي الصخور السوداء، اختبارا قاسيا أمام زحف التوسع العقاري الذي يهدد بمحو معالم تاريخية تشكل جزءا من الهوية البصرية للمدينة، حيث تعيش إحدى البنايات التاريخية المصنفة ضمن التراث الوطني فصلا مأساويا من التخريب العمدي، حيث تتعرض بنيتها التحتية لأعمال حفر وهدم تستهدف تقويض استقرارها الإنشائي، هذا الوضع دفع الهيئات الحقوقية إلى دق ناقوس الخطر، محذرة من استراتيجية افتعال الهشاشة التي تُستخدم كذريعة لإخلاء الساكنة وهدم الموروث الثقافي لصالح مشاريع عقارية استثمارية.
وفي خطوة تصعيدية، وجه المركز المغربي للعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان مراسلة رسمية إلى وزير الشباب والثقافة والتواصل، مطالبا بتفعيل القانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات، ويسعى المركز من خلال هذا الإجراء إلى الكشف عن الوضعية القانونية الدقيقة للعقار، مستندا إلى الفصل 27 من الدستور الذي يكفل للمنظمات الحقوقية حق الولوج إلى المعطيات الإدارية، خاصة تلك المتعلقة بحماية الموروث الحضاري والاجتماعي الذي يواجه خطر الزوال نتيجة تدخلات غير مشروعة.
وتضمنت المراسلة تفاصيل دقيقة حول طبيعة العدوان المعماري الذي تتعرض له البناية، حيث شمل التخريب الممنهج الأعمدة الحاملة وسقف المظلة الخارجية، وهي أجزاء حيوية لسلامة المنشأة، ويؤكد المركز أن هذه الأشغال تجري في تحد سافر لتقارير تقنية، التي جزمت سابقا باستقرار البناية ومتانتها، مما يجعل من أي محاولة لوسمها بـالآيلة للسقوط مجرد مناورة قانونية لتبرير التهجير القسري وشرعنة الهدم.
كما استوضح المركز في رسالته التي تتوفر الجريدة على نسخة منها، عن مدى حصول المالك الجديد على تراخيص تتيح له التصرف في بناية مقيدة في سجل الآثار التاريخية، مشددا على ضرورة توضيح موقف الوزارة من الأشغال الجارية، وعما إذا كانت لجان التفتيش قد قامت بمعاينات ميدانية بعد التبليغات المتكررة، إن الغموض الذي يلف هذه التراخيص يثير تساؤلات مشروعة حول كيفية السماح ببدء أشغال تقنية في موقع يتطلب موافقة مشددة وإشرافا متخصصا للحفاظ على قيمته الأثرية.
ويحذر المركز من مخاطر رفع التقييد عن العقار أو إخراجه من السجل الوطني لجرد التراث، وهي أنباء تثير قلقا بالغا في أوساط المدافعين عن تراث الدار البيضاء، وتطالب المراسلة الوزارة بتقديم التعليلات القانونية والتقنية في حال وجود أي مسطرة من هذا النوع، مؤكدة أن حماية العقارات التاريخية ليست خيارا إداريا بل واجبا قانونيا تفرضه النصوص التشريعية المنظمة للمحافظة على المباني التاريخية والمناظر الطبيعية.
وفي نفس السياق، طالب المركز بتفعيل مقتضيات المادة 118 من القانون 22.33، التي تنص على عقوبات زجرية تشمل الحبس والغرامة لكل من أقدم على تخريب أو هدم عقار مقيد، وبما أن حالة التخريب المادي موثقة بمحاضر مفوضين قضائيين، فإن الوزارة مطالبة باتخاذ تدابير استعجالية لإيقاف النزيف وحماية حقوق المستغلين والساكنة الذين يجدون أنفسهم ضحايا لعمليات تربص عقاري تستهدف تشريدهم وتدمير ذاكرتهم الجماعية.
كما يؤكد المركز أن معركة حماية هذه البناية هي معركة من أجل سيادة القانون وضمان شفافية التدبير العمومي في قطاع التعمير، بعيدا عن ضغوط اللوبيات التي لا تعير وزنا للقيمة التاريخية والحقوقية للمنشآت العمرانية العتيقة في العاصمة الاقتصادية.
وقد سبق للمركز أن وجه مراسلة أولى بتاريخ 08 يونيو 2026 إلى المدير العام للوكالة الحضرية بالدار البيضاء، مطالبا بإيفاد لجنة تفتيش عاجلة لمعاينة الأشغال غير المرخصة وتفعيل مقتضيات المادة 39 من ضابط البناء العام، وما يزال المركز ينتظر الرد على هذا الطلب الرامي إلى زجر المخالفات وحماية البناية من التدمير الممنهج لضمان حقوق الساكنة المهددة بالتهجير القسري.





إرسال تعليق