هل يعود الهمة إلى الصحراء بعد ثبوت كلامه في آل الرشيد؟

  • بتاريخ : 23 مايو 2026 - 00:59
  • تشهد المملكة المغربية تحولات سياسية عميقة ضمن سياق تمليه إرادة الدولة القوية في تنزيل الحكم الذاتي، وهنا تبرز عاصمة الصحراء المغربية كمسرح لصراع يتجدد باستمرار بين إرادة الإصلاح الجذري وبنيات النفوذ العائلي.

    وفي هذا الإطار، لابد من أن نستحضر لحظات السجال الفارقة التي قادها فؤاد عالي الهمة إبان تأسيس مشروع الأصالة والمعاصرة، حينما وجه مدفعيته السياسية نحو ما وصفه بـ “قانون الغاب” والتحالفات المصلحية الضيقة بين المال والسلطة في الأقاليم الجنوبية.

    لقد كان الخطاب حينها بمثابة إعلان حرب صريح على أسطورة العائلة الواحدة التي ظلت تروج لنفسها كضامن وحيد للأمن والاستقرار في المنطقة، فتلك القراءة الجريئة لم تكن مجرد مناورة انتخابية عابرة، بل كانت تعكس رؤية مركزية تسعى لنقل المنطقة من منطق الولاءات العائلية “الإقطاعية” إلى منطق المؤسسات الحديثة والمستقلة بقرارها المالي والسياسي، وتحمل بعد مطابقة روح مقترح الحكم الذاتي الذي تبنته المملكة كخيار استراتيجي لا رجعة فيه آنذاك.

    ورغم قوة وجرأة خطاب مستشار جلالة الملك، فإن الواقع على الأرض أظهر مقاومة شرسة، تجسدت في شكل الظهور الإعلامي الشهير لحمدي ولد الرشيد من داخل مكتب فخم، في مشهد يحاكي في تفاصيله وبروتوكوله الطريقة التي يخاطب بها جلالة الملك رعاياه الأوفياء.

    رؤية إخراجية بصرية لم تكن اعتباطية، بل كان رسالة سياسية مشفرة تكرس لسلطة موازية، وتغذي السردية الشائعة بين أتباع ولد الرشيد الذين ذهبوا إلى حد تلقيبه بـ “ملك” الصحراء، وهذا التموقع السلوكي والرمزي عكس حينها حجم وعمق المعركة التي تحدث عنها الهمة، حيث يتحول جزء من النخب المحلية المنتخبة من أدوات لتنفيذ السياسة العامة للدولة والدفاع عن الساكنة، إلى قوى ذاتية تحاول إسقاط هيبة الدولة، مستغلة في ذلك أحيانا صمت مؤسسات حكومية مركزية، أو عجزها عن تفعيل لجان التفتيش والمراقبة لمحاربة خروقات التزوير الانتخابي والسطو على الأراضي والعقارات بالأقاليم الجنوبية.

    اليوم يتجاوز هذا الصراع حدود الخطابات المتبادلة والمحاكاة البروتوكولية، بل يتخذ أبعادا أكثر تعقيدا وخطورة في المشهد المعاصر مع دخول فاعلين جدد في عالم الرقميات والتسريبات، كما هو الشأن بالنسبة للوثائق المسربة التي أحدثت زلزالا سياسيا وإعلاميا أعاد إشعال النقاش حول الفساد في كواليس الصحراء، خاصة بعد ما ظهرت بالوثائق والدلائل حيازتهم لأملاك الدولة بأثمنة زهيدة جدا (لسنا نتهم أحدا ولا نشكك في قانونية التفويت) .

    كما أن الخطير في هذه الوثائق ليس فقط حجم الأموال أو العقارات المفترضة، بل طبيعة التواطؤ الذي أشارت إليه، حيث تحدثت التسريبات عن تنسيق وثيق وتواطؤ مباشر مع والي جهة العيون، مما يعني جرجرة ممثل السلطة المركزية الأول في المنطقة إلى مستنقع التحالفات المشبوهة.

    إن مرور أزيد من 16 سنة على خطاب فؤاد عالي الهمة بساحة “النكجير”، مع استمراره مستشارا ملكيا وازنا، يمنح قراءته السابقة بعدا استشرافيا، فما اعتبره البعض حينها مجرد صراع عابر أو اندفاعا عاطفيا لزعامات من “بني جلدتنا”، أثبتت وثائق اليوم أنه كان تشخيصا دقيقا لسرطان النفوذ والابتزاز، ومع ظهور الدلائل اليوم التي تؤكد صدق كلامه، يتجدد التساؤل اليوم حول إمكانية تدخله لإنقاذ الصحراء واقتلاع رموز الفساد وإنهاء زمن “قانون الغاب” وتدشين عهد كرامة حقيقي طال انتظاره.