تتجه سنة 2026 لتكون سنة انتخابية بامتياز، في سياق سياسي وطني بالغ الدقة، تطبعه رهانات كبرى متزايدة (كأس العالم..) وانتظارات اجتماعية (مشروع إصلاح التقاعد…). فشهر أكتوبر من هذه السنة سيشكل محطة فاصلة في إعادة تشكيل الخريطة السياسية، عبر انتخاب برلمان جديد سيحدد ملامح المرحلة المقبلة. وفي هذا السياق، لن يكون الحسم وليد الصدفة أو الخطاب العاطفي، بل نتيجة عمل تراكمي، ورؤية واضحة، وقدرة حقيقية على استيعاب تحولات المجتمع وانتظاراته.
ومن يتأمل المشهد السياسي بعمق يدرك أن المعركة الانتخابية لا تكافئ الحضور الموسمي ولا الوعود الفضفاضة، بل تكافئ من امتلك النفس الطويل وراكم الثقة مع المواطنين. فالاحتكاك اليومي بالناس، والإنصات لهمومهم، والاشتغال على حلول واقعية، هي عناصر تصنع الفارق الحقيقي. أما من استيقظ متأخرًا على إيقاع الانتخابات، فلن يحصد سوى خيبة الترتيب المتأخر.
في هذا الإطار، يبرز حزب الاستقلال كقوة سياسية راسخة، استطاعت أن تفرض نفسها في مقدمة المشهد بفضل تنظيم محكم، وخطاب متزن، وعمل ميداني متواصل. فالحزب راهن على المهنية السياسية، وعلى بناء نخب مسؤولة، وعلى القرب من المواطن بدل الاستثمار في الشعبوية. وهو ما جعله يحظى بصورة الحزب الجاد القادر على الجمع بين الاستقرار والإصلاح، وبين المرجعية الوطنية والنجاعة التدبيرية.
وتتجلى قوة حزب الاستقلال بشكل أوضح في الأقاليم الجنوبية للمملكة، حيث يتمتع الحزب بامتداد تنظيمي واجتماعي متين، نابع من علاقات تاريخية وثقة متبادلة مع الساكنة. فالأذرع التنظيمية للحزب بالصحراء تتميز بالتماسك والانضباط والقدرة على التعبئة، ما يمنحه أفضلية واضحة في سباق الصدارة، ويجعل حضوره هناك حضورًا بنيويًا لا ظرفيًا.
وفي صلب هذا الامتداد، يبرز حلف أهل الرشيد كحلف قوي وفاعل، يشكل ركيزة أساسية في ترجيح كفة حزب الاستقلال بالأقاليم الجنوبية. فهذا الحلف، بما يملكه من شرعية تاريخية ورأسمال اجتماعي ونفوذ ميداني، لم يكن مجرد داعم انتخابي عابر، بل شريكًا استراتيجيًا أسهم بشكل حاسم في تثبيت الحزب في المرتبة الأولى بالصحراء، عن قناعة وانسجام ورؤية مشتركة.
إن العلاقة بين حزب الاستقلال وحلف أهل الرشيد هي علاقة تكامل وثقة، قائمة على وحدة المرجعية وخدمة الصالح العام والدفاع عن الثوابت الوطنية والتنمية المجالية. وقد مكن هذا التحالف القوي الحزب من تحويل العمق الاجتماعي إلى رصيد سياسي وانتخابي مستدام، وجعل من الأقاليم الجنوبية مجالًا حيويًا لتعزيز موقعه الوطني.
ويستفيد حزب الاستقلال كذلك من تحولات عميقة في السلوك الانتخابي، خاصة لدى الفئات المحافظة والوسطى، التي كانت سابقا تصوت لحزب البيجيدي، التي باتت تبحث عن قوة سياسية موثوقة، ذات تاريخ وطني ومرجعية واضحة، وقادرة على الجمع بين الخلفية المحافظة و البعد الاجتماعي والبعد الاقتصادي. هذا التحول عزز التفاف هذه الفئات حول الحزب، ورفع من حظوظه في تصدر النتائج على الصعيد الوطني.
وفي ترتيب موازين القوى المرتقب، يُتوقع أن يحل حزب التجمع الوطني للأحرار في المرتبة الثانية، مستندًا إلى شبكة واسعة من الأعيان، وإلى استفادته من برامج الدعم العمومي وما راكمه من نفوذ تدبيري خلال قيادته للحكومة، وهي عناصر تمنحه قوة انتخابية معتبرة لكنها محدودة من حيث الامتداد الاجتماعي العميق. أما حزب الأصالة والمعاصرة، فرغم ما يتوفر عليه من تنظيم واسع ونوعية مهمة من الكوادر السياسية، فإن تموقعه في المرتبة الثالثة يبقى نتيجة مباشرة للرجة التنظيمية وعدم توازن القيادة السياسية التي وسمت مراحل متعاقبة من تسييره، بين فترة عبد اللطيف وهبي وفترة فاطمة الزهراء المنصوري، وما رافق ذلك من ارتباك في الخطاب وتعدد مراكز القرار، إضافة إلى تداعيات طرد مكونات وازنة من قبيل أهل الجماني، وعدم الاستقرار التنظيمي خاصة في الأقاليم الجنوبية، وهو ما أضعف قدرته على تحويل قوته التنظيمية إلى رصيد انتخابي حاسم.
وخلاصة هذا الطرح، أن كل المؤشرات السياسية والتنظيمية والمجالية تتقاطع عند حقيقة واضحة، مفادها أن حزب الاستقلال يتجه بثبات نحو تصدر انتخابات 2026 وتشكيل الحكومة المقبلة، مدعومًا بقوة أذرعه في الأقاليم الجنوبية، وبالدور الحاسم لحلف أهل الرشيد كحلف صحراوي قوي وفاعل. وفي هذا الإطار، يظهر الدكتور نزار بركة كخلاصة طبيعية لهذا المسار السياسي، والقائد المؤهل لتولي المرحلة المقبلة وقيادة الحكومة القادمة، حكومة المونديال، بما يتوافق مع التوجيهات الملكية السامية التي تؤكد على ضرورة بناء حكومة قوية ومنسجمة، قادرة على الإشراف على تنظيم كأس العالم، ومباشرة الإصلاحات ذات البعد الاجتماعي، بما في ذلك إصلاح التقاعد، وتنفيذ النموذج التنموي الجديد، وتحقيق العدالة المجالية والاجتماعية لكل المغاربة.





إرسال تعليق