حين تتحول الوطنية إلى غطاء للسب والتهديد داخل تيك توك

  • بتاريخ : 20 أبريل 2026 - 14:29

  • تشهد منصة تيك توك في الآونة الأخيرة جدلا متزايدا حول بعض الممارسات الرقمية التي باتت تثير قلقا داخل الرأي العام، خصوصا مع تنامي ظاهرة البثوث المباشرة التي تتحول في بعض الحالات من فضاء للتعبير إلى ساحة للسب والقذف والتهديد والتشهير.


    وتفيد معطيات متداولة داخل الفضاء الرقمي بظهور حسابات مستعارة تنشط بشكل مكثف، من بينها حساب يحمل اسم “مشاكل وحلول”، إضافة إلى الإشارة إلى مجموعة يطلق عليها وصف “المظليين”، والتي يتم تداولها في سياق نقاشات مرتبطة بسلوكيات البث المباشر على المنصة.


    وتتمثل أبرز الإشكالات المطروحة في استعمال هذا الفضاء لبث عبارات سب وقذف علني في حق أشخاص بسبب اختلاف في الرأي، إلى جانب توجيه تهديدات لفظية، ونشر معطيات أو صور شخصية دون موافقة أصحابها، وهو ما يشكل مساسا واضحا بالحياة الخاصة والكرامة الفردية.


    وفي بعض الحالات، يتم تبرير هذه السلوكيات بخطاب يحمل طابعا عاما يوصف بأنه “وطني”، حيث يتم تقديم هذه الممارسات على أنها شكل من أشكال الدفاع عن الوطن أو القيم، غير أن هذا التبرير يطرح إشكالا جوهريا، لأن حرية التعبير، رغم ضمانها دستوريا، تبقى مقيدة بعدم المساس بحقوق الآخرين أو الإخلال بالنظام العام أو التحريض على العنف والكراهية.


    كما يلاحظ أن بعض هذه الأنشطة يتم تأطيرها داخل خطاب جماعي، حيث يصف بعض الفاعلين أنفسهم بكونهم “الأرضية الصلبة”، في إشارة إلى هوية رقمية أو كيان افتراضي يتم تقديمه كجبهة موحدة داخل التفاعل الرقمي، غير أن هذا التوصيف لا يغير من طبيعة الأفعال المنسوبة، والتي تظل، في حال ثبوتها، خاضعة للتقييم القانوني.
    ومن الناحية القانونية، يمكن أن تندرج هذه الأفعال ضمن عدة تكييفات جنائية محتملة، من بينها السب والقذف العلني، التهديد بارتكاب جنايات، التشهير الإلكتروني، المس بالحياة الخاصة، والتحريض على الكراهية، إضافة إلى الإخلال بالنظام العام، وذلك بحسب طبيعة الوقائع وظروف ارتكابها.


    وتزداد خطورة هذه الظواهر عندما تتم داخل بثوث مباشرة أمام جمهور واسع، حيث تتحول لحظات الانفعال أو الخلاف إلى محتوى موثق وقابل لإعادة الانتشار، ما يضاعف من الأثر الاجتماعي والنفسي على الضحايا.
    وفي ظل هذا الوضع، يطرح الرأي العام أسئلة متزايدة حول دور المنصات الرقمية في ضبط المحتوى غير القانوني، وفعالية آليات التبليغ والحذف، إضافة إلى مسؤولية المستخدمين أنفسهم في احترام حدود النقاش وعدم تحويل الاختلاف إلى استهداف شخصي.


    كما يبرز النقاش حول أهمية تعزيز الوعي الرقمي، وترسيخ ثقافة الحوار المسؤول، باعتبار أن الفضاء الرقمي لم يعد مجالا افتراضيا معزولا، بل أصبح امتدادا مباشرا للواقع الاجتماعي، بكل ما يحمله من آثار وانعكاسات.
    وفي النهاية، يبقى التحدي الحقيقي هو حماية حرية التعبير دون السماح بتحولها إلى وسيلة للإساءة أو التهديد أو انتهاك حقوق الآخرين، لأن قوة المجتمعات لا تقاس بحدة خطابها، بل بقدرتها على احترام القانون وصون الكرامة الإنسانية.